الحرية – إلهام عثمان:
على تخوم الحرب الجديدة، حيث تُرسم خرائط النفوذ بمدافع القرن الحادي والعشرين وقنابلها الذكية، تقف سوريا الجديدة على حافة مرحلة دقيقة من تاريخها، فبينما تتصاعد وتيرة الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، في محاولة لطي صفحة نفوذها الإقليمي إلى الأبد، تجد دمشق نفسها أمام معادلة صعبة، كيف تبني اقتصادها المنهك وتؤمن مستقبلها وسط عاصفة جيوسياسية تعصف بالمنطقة من أقصاها إلى أقصاها؟
فالدولة التي كانت بالأمس تشكل ممرات برية تغذي اقتصادها وتوصلها إلى العمق العربي، باتت اليوم أطلالاً لمرحلة سياسية كاملة انتهت بسقوط النظام السابق.
الطاقة والنفط.. من التبعية إلى التنويع
في قراءته لتأثير فرض «استسلام كامل» على إيران في قدرة سوريا على تأمين احتياجاتها من الطاقة، يرى الخبير السياسي والاقتصادي في إدارة الأزمات أحمد برق، في حديث مع «الحرية»، أن الخيار لن يكون اضطراراً كلياً إلى التوجه نحو تركيا أو دول الخليج، بل سيكون أقرب إلى تنويع مصادر التوريد عبر عقود فورية ووسطاء دوليين، وربما ترتيبات مقايضة. ويشير برق إلى أن الفرق الجوهري يكمن في أن العلاقة ستكون تجارية بحتة لا سياسية ائتمانية، على عكس ما كانت عليه مع إيران سابقاً.
ورغم أن الكلفة قد ترتفع في البداية، يرى برق في ذلك فرصة لإعادة الهيكلة، موضحاً أن هذا المسار يفتح الباب أمام شفافية أكبر، وإعادة هيكلة الدعم، وجذب استثمارات في قطاعي التكرير والطاقة المتجددة، بما يقلل الارتهان لمصدر واحد.
ويطرح برق رؤية استراتيجية طموحة، داعياً إلى البدء بتحسين إنتاجية الآبار النفطية السورية ومصادر الطاقة المحلية، ما قد يحقق الاكتفاء الذاتي على المدى البعيد، ويلخص الأمر بالقول: «المخاطر مالية في المرحلة الانتقالية، لكن الاستدامة على المدى الأبعد تعتمد على قدرة الحكومة على إدارة التمويل وتنويع الشركاء دون خلق صدمة سعرية داخلية»، مشدداً على أن الأهم هو الاعتماد على الكفاءات لضمان إدارة موارد الدولة بالطريقة الصحيحة.
برق: الاستدامة على المدى الأبعد تعتمد على قدرة الحكومة على إدارة التمويل وتنويع الشركاء دون خلق صدمة سعرية داخلية والاعتماد على الكفاءات.
إعادة رسم خرائط الممرات
في ظل إعادة تشكيل خرائط النفوذ، يقرأ برق مستقبل الممرات البرية والتجارة الإقليمية، لا سيما خط طهران – بغداد – دمشق الذي كان شرياناً حيوياً للاقتصاد السوري في السابق.
ويؤكد الخبير أن «سوريا اليوم، بتحالفاتها الجديدة المقتربة من الولايات المتحدة والخليج، لم تسعَ لاستعادة فتح هذا الطريق، بل على العكس، كانت شريكاً قوياً للولايات المتحدة في قطع طريق الإمداد الرئيسي الواصل حتى جنوب لبنان».
ويرى برق أن سوريا لن تتأثر سلباً من إغلاق أي ممر مع إيران والعراق، مراهناً على انفتاحها نحو الجانب التركي والروسي والأمريكي، ويتوقع أن تتحول سوريا إلى «الممر البري الغربي – الشرقي الذي سيربط أوروبا بالخليج وإفريقيا»، مضيفاً: «ممراتنا السابقة مع إيران لم تجلب لنا إلا الاقتتال الدائم والدمار والهجرة».
آفاق رفع العقوبات
مع الانخراط الأمريكي المباشر في التصعيد ضد إيران، يبدو السؤال ملحاً حول تأثير ذلك على رفع العقوبات «مثل قانون قيصر» وجذب الاستثمارات الدولية لإعادة الإعمار، وهنا يجيب برق بنبرة تفاؤلية حذرة، مشيراً إلى أن «ما رأيناه من تعاون إيجابي صادر عن الإدارة السورية الجديدة في مجال مكافحة الإرهاب، يمكننا القول إن السلطة الجديدة في دمشق قد نجحت فعلياً في إثبات ذاتها كحليف استراتيجي قوي وفعال، على عكس ما كان متوقعاً، وهذا يؤثر إيجاباً على صحة سير العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وحلفائها».
ويتوقع برق «إسراعاً عملياً في إزالة العقوبات، وأهمها قانون قيصر»، كما يتنبأ بـ«تعاون قريب ومستدام بين شركات تطوير الطاقة وسوريا، ودخولاً مشتركاً خليجياً – تركياً – أمريكياً في مرحلة إعادة الإعمار التي لم يحن موعدها بعد».
الليرة والتضخم.. ثلاث قنوات للصدمة
يحلل برق تأثير الاضطراب الإقليمي على استقرار الليرة السورية وأسعار السلع الأساسية عبر ثلاث قنوات رئيسية:
أولاً: سعر الصرف – يوضح أن ارتفاع المخاطر الإقليمية يرفع الطلب على الدولار كملاذ آمن للتحوط، وأي تعطيل لمنافذ التبادل مع العراق أو دول الخليج يقلص تدفق السلع والتحويلات، ما يضغط على الاحتياطي ويضعف الليرة، النتيجة المتوقعة: تذبذب حاد وربما موجة انخفاض إذا لم يُدعم السوق بضخ منظم للعملة الأجنبية.
ثانياً: التضخم المستورد – يشير برق إلى أن سوريا تعتمد على الاستيراد في الوقود والقمح والأدوية. وأي اضطراب في سلاسل الإمداد البرية أو الجوية يؤدي إلى ارتفاع كلفة الشحن والتأمين، فتنتقل الزيادة مباشرة إلى أسعار السلع الأساسية، ويكون التأثير سريعاً في قطاعي الغذاء والطاقة، ثم يمتد ليشمل بقية السوق.
ثالثاً: سلوك السوق المحلي – يبين برق أن التوقعات السلبية تولد سلوكيات تخزين واحتكار، ما يضاعف الأثر النفسي على الأسعار، وضعف الثقة يسرع وتيرة الدولرة الجزئية في التسعير.
برق: سوريا لن تتأثر سلباً من إغلاق أي ممر مع إيران والعراق.. بل ستكون مفتوحة مع الجانب التركي الروسي الأمريكي
قدرة الاحتواء: بين إدارة الأزمة وغياب التمويل
يشير برق إلى إمكانية احتواء الصدمة من خلال تفعيل مؤسسات الحكومة الجديدة، وإدارة الاحتياطي النقدي بكفاءة، وتنويع المنافذ والعقود التجارية، وضبط السوق رقابياً دون خنق العرض، ويمكن احتواء الصدمة وتقليل مدتها أيضاً عبر هذه الآليات، لكنه يحذر: «أما غياب التمويل الكافي أو بطء القرار – وهذا ما نعانيه – فيحول الاضطراب الإقليمي إلى موجة تضخمية داخلية ملموسة».
توفير الآمان لعودة اللاجئين والاستثمار
بعد سقوط النظام، كانت سوريا بحاجة ماسة لعودة اللاجئين ورؤوس الأموال، لكن كيف سيؤثر التصعيد العسكري الإقليمي على ذلك؟ يؤكد برق أن «قرار العودة قرار أمني معيشي بالدرجة الأولى». وإذا ساد انطباع باحتمال اتساع الحرب أو تحول سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات، فسيؤدي ذلك إلى تريث الكثيرين، حتى الراغبون بالعودة قد يؤجلون القرار بانتظار اتضاح المشهد، خصوصاً أصحاب العائلات ورؤوس الأموال الصغيرة. ويشرح أسس قرار العودة: «قرار العودة والاستقرار يستند إلى أمرين: الأول الأمن المستقر، والثاني اليقين السياسي».
رأس المال الحذر.. تحول في أنماط الاستثمار
أما بالنسبة للاستثمارات، فيرى برق أنه «في ظل وجود قانون قيصر والحرب القائمة بين أمريكا وحلفائها وإيران ومن والاها، فإن رأس المال بطبيعته حذر”. وأي مخاطر جيوسياسية مرتفعة تعني ارتفاع كلفة التأمين والتمويل، وصعوبة في التحويلات المصرفية، ومخاطر على سلاسل التوريد والطاقة.
لكنه يستدرك موضحاً أن «هذا لا يعني توقفاً كاملاً، بل انتقالاً من استثمارات طويلة الأجل «صناعة، عقار كبير، بنية تحتية» إلى استثمارات سريعة الدوران أو مضاربات قصيرة الأجل، بانتظار استقرار أمني واضح».
برق: احتواء الصدمة يكون.. بتفعيل الحكومة الجديدة.. إدارة الاحتياطي.. وتنويع المنافذ والعقود
رؤية متوازنة للمستقبل
يختم برق برؤية متوازنة: إذا استطاعت السلطة الجديدة تثبيت الأمن الداخلي ومنع الانجرار المباشر إلى أي صراع إقليمي، وقدمت ضمانات قانونية واضحة لحماية الملكية والاستثمار، يمكن من خلال ذلك تقليص أثر التوتر الخارجي، لكنه يحذر: «أما في حال ترافق التصعيد مع هشاشة داخلية، فستتأخر موجة العودة والاستثمار، ولو لم تتوقف الحرب نهائياً».