الحرية – جهاد اصطيف:
تكشف المؤشرات الحديثة عن تصاعد مقلق في تكاليف المعيشة بسوريا في ظل واقع اقتصادي معقد، حيث بلغ الحد الأدنى لسلة الإنفاق الأساسية نحو 169 دولاراً، وهو رقم يتجاوز متوسط دخول شريحة واسعة من الموظفين، ما يعمق أزمة معيشية باتت تمس تفاصيل الحياة اليومية للسوريين.
فجوة آخذة في الاتساع
تشير التقديرات إلى أن متوسط دخل الموظف في سوريا، حتى بعد الزيادة الأخيرة، لن يتجاوز 150 دولاراً شهرياً، ما يعني عملياً أن معظم الأسر غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية، هذه الفجوة بين الدخل والإنفاق لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحولت إلى واقع ضاغط يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والسلوك المعيشي.
ويرى الخبير الاقتصادي فادي حمود خلال حديثه لـ ” الحرية ” أن هذه المعادلة المختلة تعكس خللاً بنيوياً في هيكل الاقتصاد، حيث لا تتماشى السياسات النقدية والأجور مع الارتفاع المستمر في الأسعار، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية بشكل متسارع.
التقشف كخيار إجباري
في مواجهة هذا الواقع، يشير الخبير حمود إلى أنه لم يعد أمام الأسر سوى التكيف عبر تقليص استهلاكها إلى الحد الأدنى، ويظهر ذلك بوضوح من خلال خفض عدد الوجبات اليومية، والاستغناء عن سلع أساسية ذات قيمة غذائية مرتفعة مثل اللحوم والفواكه، والاعتماد على بدائل أقل تكلفة وأقل جودة، هذا التحول لا يعكس فقط أزمة اقتصادية، بل يحمل أبعاداً اجتماعية وصحية طويلة الأمد، خصوصاً مع تراجع التنوع الغذائي.
التضخم المركب : محلي وعالمي
لا يمكن فصل الأزمة السورية عن السياق العالمي، ووفق حمود ، حيث تلعب موجات التضخم الدولية دوراً في رفع أسعار السلع المستوردة، إلا أن خصوصية الحالة السورية تكمن في تضاعف تأثير هذه العوامل نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية، والاعتماد الكبير على الاستيراد، و هشاشة البنية الإنتاجية المحلية. ورغم أن بعض السلع الأساسية حافظت نسبياً على استقرار أسعارها خلال العام الماضي، فإن ذلك لم يكن كافياً لتعويض الارتفاع في تكاليف عناصر أخرى مثل النقل والطاقة والخدمات.
سوق بلا ضوابط كافية
ولعل من أبرز الإشكاليات التي يسلط عليها الخبراء الضوء هي ضعف أدوات التدخل الحكومي في ضبط الأسعار، ففي ظل اقتصاد يتجه نحو آليات السوق الحر، أصبح التاجر لاعباً رئيسياً في تحديد الأسعار، وسط غياب فعّال للرقابة.
وفي هذا الصدد، يشير الخبير الاقتصادي أمير حلبي خلال حديث لـ ” الحرية ” إلى أن بعض التجار يعمدون إلى تسعير السلع وفق أسعار صرف أعلى من السوق الفعلية، ما يخلق فجوة إضافية بين السعر الحقيقي والتكلفة المفترضة، ويعزز من ظاهرة ” التضخم المدفوع بالتوقعات ” أكثر من كونه نتيجة مباشرة للتكاليف.
ويؤكد حلبي أن الاقتصادات الهشة، كالحالة السورية، تكون أكثر عرضة لتأثيرات الأزمات الإقليمية والدولية، فالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة تنعكس سريعاً على السوق المحلية، لكن تأثيرها يكون مضاعفاً بسبب ضعف الإدارة الاقتصادية وقلة أدوات التكيف.
قراءة في المستقبل
وأضاف حلبي أن المعطيات الحالية تشير إلى أن الأزمة مرشحة للاستمرار ما لم تتخذ إجراءات متكاملة تعالج جذور المشكلة، وليس فقط مظاهرها، ومن بين أبرز المسارات الممكنة، إعادة النظر في سياسات الأجور وربطها بمؤشرات التضخم، وتعزيز الرقابة على الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار، ودعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد تحسين إدارة سعر الصرف للحد من التقلبات الحادة.
تكيف قسري
لم تعد قضية ارتفاع الأسعار في سوريا مسألة ظرفية، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تعكس اختلالات عميقة في الاقتصاد، وبين دخل لا يكفي وحد أدنى للإنفاق يتجاوز القدرة، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة، عنوانها التكيف القسري مع واقع معيشي يزداد قسوة يوماً بعد يوم.