الحرية – هناء غانم:
تشهد سوريا اليوم تحولات اقتصادية ملموسة، قد تعيد تموضعها على خريطة الاستثمار الإقليمي، كما أن الموقع الاستراتيجي لدمشق، إلى جانب التطورات التشريعية والمؤسساتية الأخيرة، يجعل من العاصمة السورية وجهة واعدة للمستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
د. عبد المعين مفتاح، الخبير والاستشاري في الإدارة والاقتصاد قال في حديثه للحرية “إن التوترات الإقليمية وتصاعد المخاطر في بعض الممرات البحرية التقليدية جعلت المستثمرين الخليجيين يلتفتون إلى سوريا كممر بري آمن يربط الخليج بالمتوسط وآسيا بأوروبا، موضحاً أن هذه الممرات يمكن أن تقلص زمن النقل من أسابيع إلى أيام قليلة، ما يمنحها ميزة تنافسية واضحة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الاتفاقيات الاستثمارية الأخيرة، بما فيها توقيع السعودية 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تجاوزت 6.4 مليارات دولار، واستثمارات قطرية لإقامة محطات كهربائية بطاقة 5000 ميغاواط، تعكس جدية هذا التحول، مؤكداً أن حجم التدفقات الفعلية سيكون المعيار الحقيقي لنجاح هذه المرحلة.
موجة استثمارية خليجية غير مسبوقة!
تشير البيانات الرسمية إلى أن سوريا شهدت في 2025 توقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى، شملت قطاعات الإسكان والطاقة والنقل والصناعة والاتصالات.

السعودية: 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 6.4 مليارات دولار خلال “منتدى الاستثمار السوري – السعودي” في تموز/ يوليو 2025.
قطر: شراكة لإنشاء خمس محطات كهربائية بطاقة إجمالية 5000 ميغاواط.
البنية التحتية والعقارات: 12 اتفاقية بقيمة 14 مليار دولار في آب/ أغسطس 2025.
هذا التدفق الاستثماري يعكس ثقة بعض المستثمرين في قدرة سوريا على أن تصبح مركزاً تجارياً واستثماريًا بديلًا في المنطقة.
إعادة الإعمار كفرصة اقتصادية ضخمة
وأشار مفتاح إلى أن الجهات الرسمية والبنك الدولي قدرت تكلفة إعادة إعمار سوريا بما يصل إلى 216 مليار دولار في السيناريو المتحفظ، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى نحو 400 مليار دولار، وتشكل هذه الأرقام فرصًا استثمارية هائلة في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية والصناعة، ما يعزز إمكانية تحويل سوريا إلى مركز عبور اقتصادي متكامل ونجاح التحول الاقتصادي يعتمد على بيئة استثمارية مستقرة.
النظام المصرفي: الربط التدريجي بالبنوك الدولية بعد أول رسالة SWIFT إلى الاحتياطي الفيدرالي في نوفمبر 2025.
الأمن المؤسسي: المرسوم رقم 55 لعام 2026 لتنظيم شركات الحماية والحراسة الخاصة لضمان حماية الأصول والممتلكات الاستثمارية.:
حل النزاعات: تشكيل لجنة لتأسيس مركز تحكيم استثماري وفق معايير دولية لتعزيز ثقة المستثمرين بأن النزاعات التجارية لن تعرقل العمليات.
– تشجيع الاقتصاد المحلي وإنتاجية مستدامة فالقوانين الاستثمارية والضريبية الجديدة صممت لدعم الاقتصاد الإنتاجي المحلي من خلال إعفاءات جمركية كاملة على الآلات وخطوط الإنتاج، وإعفاءات ضريبية لمدة 3-7 سنوات حسب القطاع والموقع الجغرافي، مع تخفيض دائم يصل إلى 80% لبعض القطاعات الصناعية.
إضافة إلى دعم المشاريع الزراعية والحيوانية مع إعفاء كامل من الضرائب على الأرباح، وتشجيع التوظيف المحلي بنسبة 5% لكل 100 عامل مشترك في التأمينات الاجتماعية.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تحويل رأس المال المحلي من الاقتصاد الموازي إلى الاقتصاد الرسمي، وزيادة فرص العمل، وخلق دورة إنتاجية مستدامة.
التحديات والمسار المتوقع
أضاف مفتاح إنه ورغم الفرص الكبيرة، يبقى الطريق طويلًا، لأن الربط الكامل للبنوك السورية بالبنوك المراسلة الدولية يحتاج إلى وقت وتحويل الاتفاقيات الموقعة إلى تدفقات نقدية فعلية يعتمد على استمرار الإصلاحات البنيوية.
ونجاح التحوّل الاقتصادي سيُقاس على المدى المتوسط (3-5 سنوات) بحجم التدفقات الفعلية وليس بالأرقام المعلنة للاتفاقيات.
الرؤية المستقبلية
ويرى مفتاح أن سوريا اليوم تقف عند مفترق طرق: موقع استراتيجي فريد، سوق واسعة لإعادة الإعمار، بنية تشريعية حديثة، وإصلاحات مالية وتشغيلية، كلها عوامل قد تجعل دمشق وجهة استثمارية جاذبة للمستثمرين الخليجيين والدوليين على حد سواء.
وفي عالم تتحرك فيه رؤوس الأموال بسرعة نحو البيئات الأكثر استقرارًا ووضوحًا، تصبح المنظومة القانونية والمؤسسية الفارق الحقيقي بين اقتصاد قائم على الفرص وآخر معرض للمخاطر.