الحرية – فادية مجد:
يتزايد الاهتمام بواقع سوق العمل في سوريا مع كل حديث عن تحسن اقتصادي مرتقب، فيما ينتظر الشباب والخريجون مؤشرات ملموسة تُظهر انعكاس هذا التحسن على فرص العمل المتاحة، خاصة مع استمرار التحديات التي تواجه الداخلين الجدد إلى السوق.
وفي هذا السياق، يقدّم الخبير في الاقتصاد والإدارة الدكتور سامر رحال رؤية توضّح طبيعة المرحلة الراهنة وما قد يعنيه هذا التحسن بالنسبة للقوى العاملة الشابة.
حيث أفاد لـ”الحرية” بأن الحديث المتزايد عن تحسن اقتصادي في سوريا وتوقعات بنمو قد يصل إلى نحو 10% خلال عام 2026 لا يعني بالضرورة أن سوق العمل بدأ بالتعافي، مشيراً إلى أن النمو الاقتصادي شيء، وخلق فرص العمل شيء آخر تماماً، منوهاً بأن أي اقتصاد لا يفتح أبواباً حقيقية أمام الشباب والخريجين هو اقتصاد ينمو على الورق فقط.
ثلث الشباب بلا عمل
وبيّن رحال أن الأرقام الحالية لا تترك مجالاً للتجميل، إذ يقدَّر معدل بطالة الشباب بنحو 33%، فيما يدخل أكثر من 200 ألف شخص سنوياً إلى سوق العمل، في حين لا تتجاوز الأجور في كثير من القطاعات 100 دولار شهرياً.
واعتبر أن هذه المؤشرات تكشف فجوة عميقة بين حجم الداخلين إلى السوق وقدرة الاقتصاد على استيعابهم.
فجوة المهارات
وأوضح رحال أن المشكلة لم تعد مجرد نقص في الوظائف، بل عدم توافق بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق ، فالشركات – كما يقول – تبحث عن تقنيين وفنيين ومهارات عملية، بينما الجامعات تخرّج أعداداً كبيرة في تخصصات نظرية ، مبيناً أن هذا الخلل يخلق مفارقة واضحة وهي شركات لا تجد عمالة مناسبة، وخريجون لا يجدون عملاً .
تحسن اقتصادي بلا وظائف
وأشار رحال إلى أن التحسن الاقتصادي الحالي ملموس لكنه لا يزال في مرحلة إعادة التشغيل، موضحاً أن النشاط يتركز في التجارة والخدمات وبعض مشاريع البنية التحتية، وهي قطاعات لا تخلق فرص عمل واسعة، أما القطاعات القادرة على توليد وظائف حقيقية – مثل الصناعة والإعمار والإنتاج – فلا تزال محدودة أو تعمل دون طاقتها.
خيارات الخريج تضيق
وأكد رحال أن الخريج السوري اليوم يقف أمام خيارات صعبة، إما البقاء بلا عمل، أو القبول بوظيفة لا تمت لتخصصه بصلة وبأجر منخفض، أو البحث عن فرصة خارج البلاد أو عبر الإنترنت.
موضحاً أن هذا الواقع يدفع إلى خسارة الكفاءات وهجرة العقول، وهي خسارة لا يمكن للاقتصاد تحملها على المدى الطويل.
ما الذي يحتاجه سوق العمل؟
وشدد رحال على أن معالجة المشكلة تتطلب قرارات واضحة وتنفيذاً فعلياً، مؤكداً أن الحل يبدأ بالتحول نحو اقتصاد إنتاجي قادر على خلق فرص عمل واسعة، مروراً بإصلاح جذري في التعليم والتدريب يعيد ربط الجامعات بسوق العمل، وصولاً إلى تمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها الأكثر قدرة على توليد وظائف سريعة ومرنة، إضافة إلى تحسين بيئة العمل عبر توفير التمويل والاستقرار والقوانين الواضحة التي تشجع القطاع الخاص على التوسع.
جوهر المشكلة
وختم رحال بالقول إن المشكلة في سوريا اليوم ليست فقط قلة وظائف ولا بطالة مرتفعة، بل إن الاقتصاد ينمو دون أن ينتج وظائف كافية، مؤكداً أن التعافي الحقيقي لسوق العمل لن يتحقق إلا عندما يتحول النمو من حركة في الأرقام إلى حركة في فرص العمل.