الحرية- جهاد اصطيف:
مع عودة المنخفضات الجوية وتساقط الثلوج على المرتفعات، ودخول البلاد في ذروة الشتاء المعروفة شعبياً بـ “أربعينية الشتاء” أو “المربعانية” الممتدة من 25 كانون الأول حتى 2 شباط، تتجدد معاناة السوريين مع التدفئة، ولاسيما في مدينة حلب، حيث يبدو الشتاء هذا العام أكثر قسوة، ليس فقط بسبب انخفاض درجات الحرارة، بل بفعل الأعباء المعيشية الثقيلة التي تحاصر الأسر من كل اتجاه.
وعلى الرغم من التحسن النسبي في توافر حوامل الطاقة مقارنة بسنوات سابقة، إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الوفرة لم تتحول إلى دفء فعلي، في ظل ارتفاع التكاليف إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية لمعظم المواطنين.
شراء بالحد الأدنى
تشير تقديرات محلية إلى أن الأسرة السورية تحتاج وسطياً إلى نحو 4 ليترات مازوت يومياً للتدفئة، أي ما يعادل “بيدون 20 ليتراً” كل خمسة أيام تقريباً، بتكلفة تصل إلى نحو 100 ليرة جديدة لليتر الواحد حتى باب المنزل، ومع امتداد الموسم البارد تصل تكلفة التدفئة بالمازوت وحدها إلى قرابة 10 آلاف ليرة جديدة، وهو رقم يتجاوز الدخل الشهري لشريحة واسعة من الأسر.
يقول محمود طبشو، عامل يومي من حي صلاح الدين خلال حديثه لـ”الحرية”: “بتنا نشتري المازوت بالليتر، نشعل المدفأة ساعة أو ساعتين في المساء فقط، ونطفئها باكراً، البطانيات أصبحت وسيلة التدفئة الأساسية لدى الكثير من الأسر”.
هذا الواقع أعاد ظاهرة الشراء بالكميات القليلة جداً إلى الواجهة، حيث باتت الأسر تشتري حاجتها اليومية فقط، دون قدرة على التخزين أو التخطيط لبقية الشتاء، وهنا ترى لميس صالح مدرسة أن الجهات المعنية عملت على ضمان توافر المادة خلال فصل الشتاء، مشيرة إلى أن المازوت متاح بكميات كافية قياساً بالسنوات الماضية.
وقالت: إن تحسن التوافر يعود على ما يبدو إلى خطط توزيع أكثر مرونة وتسهيل عمليات النقل، إضافة إلى ضبط عمليات البيع ومنع الاحتكار قدر الإمكان، لكنها أقرت في الوقت ذاته بأن الأسعار تشكل عبئاً حقيقياً على المواطنين، بالخصوص أن معظم الموظفين يعتاشون على رواتبهم الضئيلة، الأمر الذي يضطرهم للتقليل من الاحتياجات الأساسية، لأن التدفئة بالنسبة لهم أصبحت ترفاً، مردفة : أنا وأسرتي نكتفي بالبطانيات والحرامات.
بدوره عبدو أحمد طالب جامعي يقول: “إضافة إلى دراستي أبحث عن أعمال جانبية، ومع ذلك لا يمكنني تغطية جميع نفقات البيت، أبي المسن كان يشتري المازوت رغم سعره المرتفع، لكننا الآن نعتمد على بطانية كهربائية، من الكهرباء التي نوفرها للإنارة فقط، وهذا يعني أننا غالباً ما ننام في البرد”.

ساعات أطول وفواتير صادمة
في مقابل المازوت، شهدت الكهرباء هذا الشتاء تحسناً ملحوظاً في ساعات التغذية، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس ارتياحاً لدى الأهالي، بل تحولت فواتير الكهرباء إلى مصدر قلق يومي وحديث واسع في الشارع الحلبي.
وحسب شكاوى المواطنين، فإن أقل فاتورة جرى دفعها بلغت نحو 5 آلاف ليرة جديدة، وذلك دون استخدام الكهرباء للتدفئة أو الطبخ، فيما اضطر كثيرون إلى تعطيل المكيفات الكهربائية بشكل كامل، خشية وصول الفواتير إلى أرقام بالملايين.
يقول محمد أحمد، صاحب متجر في حي بني زيد: “نطفئ معظم الأجهزة، ونستخدم الكهرباء للإنارة فقط، ومع ذلك نخشى أن تكون الفاتورة صادمة، ولا نجرؤ على استخدامها للتدفئة”.
الغاز المنزلي
الغاز المنزلي بدوره يشهد توافراً واضحاً هذا الشتاء، إلا أن سعر الأسطوانة جعلها بعيدة عن متناول الكثير من الأسر، فالأسرة تحتاج على الأقل إلى أسطوانة شهرياً للطبخ فقط، بينما يؤدي استخدامها للتدفئة إلى استهلاك أسطوانة كل 10 أيام تقريباً.
تقول سلمى اصطيفي، ربة منزل من حي الأشرفية: نستخدم الغاز للطبخ فقط، ونفصل المدفأة فوراً، لا نستطيع تحمل كلفة استخدامه للتدفئة، ويؤكد موزعو الغاز أن الطلب موجود، لكن الشراء بات محسوباً بدقة شديدة، في ظل تعدد الأولويات المعيشية.
الحطب
ورغم شدة البرودة، شهدت أسواق الحطب تراجعاً ملحوظاً في الطلب، سواء في المدينة أو الريف، نتيجة نقص المعروض وارتفاع الأسعار من جهة، وتوافر المازوت –ولو بكميات محدودة– من جهة أخرى.
ويرى سعيد عبد الغفور مختص في شؤون الطاقة أن الحطب لم يعد خياراً عملياً كما في السابق، بسبب تراجع الموارد الحرجية وارتفاع تكاليف النقل، ما أفقده دوره كبديل اقتصادي للتدفئة.
آثار صحية واجتماعية مقلقة
لا تقتصر تداعيات ضعف التدفئة على الجانب المعيشي فحسب، بل تمتد إلى الصحة العامة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن، أطباء في مشافي حلب أشاروا إلى ازدياد حالات التهابات الجهاز التنفسي وأمراض البرد، نتيجة التعرض لدرجات حرارة منخفضة داخل المنازل، لأن البرد الشديد في المنازل يفاقم المشاكل الصحية، في حالات كثيرة، ونصحوا المرضى باستخدام الأغطية الثقيلة ولكن للأسف لا يمكن لجميع الأسر تحمل نفقات التدفئة.
كما انعكس هذا الواقع اجتماعياً، حيث قلصت العائلات ساعات السهر والتجمعات المنزلية، وفرضت على نفسها أنماط عيش قسرية عنوانها الترشيد القاسي والاحتمال.

بين وفرة الموارد وضيق الحلول
ويرى الخبير الاقتصادي أمير حلبي في حديثه لـ”الحرية” أن جوهر المشكلة لا يكمن في التوافر بحد ذاته، بل في الفجوة المتسعة بين الدخل وتكاليف الطاقة، محذراً من أن استمرار هذا الواقع قد يحول التدفئة إلى امتياز طبقي، ويعمق الفوارق الاجتماعية، خصوصاً في فصل الشتاء، خاصة أن البلاد تشهد معدلات تضخم مرتفعة، ما يعكس تدهور القدرة الشرائية للأسر.
مضيفاً إن ارتفاع أسعار المازوت والغاز والكهرباء يعكس القدرة الاقتصادية للمواطنين، وبالرغم من تحسن توافر هذه المواد، فإن تأثيرها على دخل الأسرة أصبح كارثياً، فالأسرة التي تعتمد على الغاز للتدفئة قد تحتاج إلى 5 آلاف ليرة من العملة الجديدة شهرياً وهو ما يفوق قدرة الكثير من الأسر في ظل الأجور الحالية، مقترحاً تقديم دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً، وإمكانية دعم مشاريع الطاقة البديلة، بالإضافة إلى ضرورة إعادة النظر في سياسات تسعير الكهرباء وضمان توافرها بأسعار معقولة.
اختبار قاسٍ لقدرة الناس
في حلب، لم يعد الشتاء مجرد فصل عابر، بل اختبار قاسٍ لقدرة الناس على الصمود، فبين مازوت يشترى بالليتر، وكهرباء تستخدم بحذر الخوف، وغاز متوفر لمن يملك ثمنه، يقف المواطن في مواجهة برد لا يرحم وجيوب لم تعد تحتمل، ومع استمرار “الأربعينية” وتوالي موجات الصقيع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول وفرة الطاقة إلى دفء حقيقي في بيوت السوريين، أم يبقى الشتاء عنواناً إضافياً لمعاناة يومية مفتوحة؟.