الحرية – إلهام عثمان:
في خضم الصراع المحتدم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن التصعيد العسكري الأخير يتجاوز كونه حلقة جديدة في صراع ممتد، ليكشف عن ملامح تحول جذري في استراتيجية واشنطن وتل أبيب، هدفه إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد.
اقتلاع النظام لا فرض الاستسلام
عندما تعلن إيران استعدادها لتقديم تنازلات في الملفين النووي والباليستي، قد يظن البعض أن الطريق إلى التهدئة أصبح ممهداً، لكن الباحثة الاجتماعية رنا رنجبال، مديرة المعهد المتوسط للاقتصاد الأسري، تقرأ المشهد من زاوية مغايرة، وذلك في حوار مع «الحرية»،
حيث أوضحت أن رضوخ طهران للشروط الأمريكية والالتزام ببنود المفاوضات ليس هو المطلوب، مؤكدة أن الهدف الأمريكي – الإسرائيلي المشترك يتجاوز فكرة فرض «استسلام كامل» إلى مشروع أكثر طموحاً: «شرق أوسط جديد لا مكان فيه لنظام ولاية الفقيه».
وتشرح رنجبال أن أمريكا تنظر إلى النظام الإيراني بقيادة آية الله علي خامنئي باعتباره تهديداً وجودياً لحلفائها في المنطقة، وهو ما تفسر به الحشود العسكرية الأمريكية غير المسبوقة التي لم تشهد المنطقة مثيلاً لها منذ عام 2003، الهدف إذاً ليس انتزاع تنازلات، بل بتر أذرع إيران في المنطقة والتخلص من المخاطر الناجمة عن المشروع النووي الإيراني بشكل نهائي.
عندما لا تكفي الإيجابيات
ومن هنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا التصعيد الآن، خصوصاً مع وجود مؤشرات إيجابية في المفاوضات؟ هنا تجيب رنجبال بأن وجود مؤشرات إيجابية أو تقدم في المفاوضات الإيرانية لن يلغي المواجهة العسكرية عاجلاً أم آجلاً.
وترى أن الملف النووي الإيراني معقد لدرجة أن الحلول التفاوضية لا تستطيع معالجة جميع تعقيداته، لافتة إلى أن هناك ملفات عالقة بالنسبة لأمريكا وإسرائيل لها أبعاد أمنية وإقليمية شديدة الحساسية، وهذه الملفات – من وجهة نظرهما – لا يمكن حلها إلا من خلال الإطاحة بالنظام الإيراني الحالي وتغييره، وهو الهدف الأساسي من العملية العسكرية.
نقطة الانهدام الخطيرة
في تحليلها للتداعيات الداخلية على إيران، ترسم رنا رنجبال صورة دقيقة لعملية التحول التي قد يشهدها النظام، فالعملية العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية، سواء كانت طويلة الأمد أو محدودة، تمثل وفق رؤيتها نقطة انهدام خطيرة في بنية النظام الإيراني.
وتوضح أن هذا التصعيد يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يتزامن مع سلسلة اضطرابات في الداخل الإيراني، يحمل فيها الشارع حكومة خامنئي مسؤولية عقود من الأزمات والعزلة وقمع الحريات، وهنا تلتقي العوامل الخارجية مع الداخلية لتشكل معادلة خطيرة: الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والأمنية على الداخل الإيراني ستوسع حجم الشرخ بين الحكومة والشارع، ما قد يدفع النظام لمواجهة تحديات داخلية غير مسبوقة، ويؤدي إلى بروز أصوات إصلاحية متصالحة مع الداخل والخارج.
وتستشهد الباحثة بنتائج الضربات الأخيرة على إيران في الشهر السادس من عام 2025، والتي ترى أنها ساهمت في تقويض طهران استراتيجياً وإضعاف أدواتها، ما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الضعف الإيراني على الساحتين الداخلية والخارجية.
نهاية عصر الوكلاء
تنتقل رنجبال في تحليلها من الداخل الإيراني إلى محيطه الإقليمي، موضحة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على المدى الطويل لنزع «الحزام الأمني» الذي اعتمدته إيران لعقود طويلة من خلال تمويل حلفائها في المنطقة وخوض صراعات دون مواجهة مباشرة.
وتشير إلى أن الهجوم الأخير ليس حدثاً معزولاً، بل هو تتويج لسلسلة تحركات بدأت عام 2023، استهدفت «إسرائيل» خلالها حلفاء إيران في مناطق عدة من الشرق الأوسط، وأبرزهم حزب الله اللبناني، بالإضافة إلى حلفائها في العراق واليمن.
هذه التحركات، وفق رؤيتها، ساهمت بشكل كبير في إضعاف إيران في المنطقة وتراجع نفوذها التقليدي، وهو ما سينعكس سلباً على ما تبقى من أدواتها المنتشرين في المنطقة. فما كانت إيران تسميه «الدفاع المتقدم» يتحول تدريجياً إلى نقطة ضعف استراتيجية.
القوى الدولية.. حلفاء أوقات السلم فقط
على المستوى الدولي، أوضحت رنا رنجبال رؤية واقعية لمواقف حلفاء إيران التقليديين، فرغم أن روسيا والصين ودولاً أوروبية أخرى تعتبر حلفاء استراتيجيين لإيران، إلا أن ذلك يقتصر على أوقات السلم، وينتهي التحالف عند أي مواجهة فعلية مع أمريكا.
وتتوقع رنجبال أن تصعد الصين من لهجتها الدبلوماسية مستنكرة التصعيد العسكري، خاصة أن إيران شريك تجاري واستراتيجي مهم للصين، وبالتالي، ستسعى بكين لتقويض جهود أمريكا و«إسرائيل» في محاولاتهما لشرعنة العملية العسكرية أمام المحافل الدولية.
أما روسيا، فترسم رنجبال موقفها بدقة، مبينة أنها بالرغم من سياساتها الواضحة الرافضة للتدخل العسكري، إلا أنها لن تتدخل في الصراع، بل أكثر من ذلك، قد تجد موسكو في هذه المواجهة فرصة مناسبة لغض البصر عن حربها الدائرة مع أوكرانيا، مع احتمال استخدام بعض أوراقها الدبلوماسية الضاغطة على أمريكا في محاولة لمنع انهيار الاقتصاد الإيراني، لكن دون المخاطرة بعلاقاتها مع الغرب.
الوقوع في مرمى النيران
في خضم هذا المشهد الإقليمي المتأجج، تقف سوريا في موقف بالغ الصعوبة، فوفقاً لتحليل رنجبال، تسعى سوريا في الوقت الراهن إلى النأي بنفسها عن أي صراع إقليمي قد يهدد أمنها القومي، خاصة أنها في طور التعافي.
لكن الباحثة تشير إلى المفارقة القاسية التي تواجهها دمشق: رغم سياسة النأي بالنفس، فإن الموقع الجغرافي لسوريا يضعها في قلب العاصفة، فهي تجد نفسها تعيش أجواء المواجهة العسكرية الدائرة من خلال الصواريخ العابرة وسقوط بقايا الصواريخ وخزانات الوقود على أراضيها، بالإضافة إلى الاتهامات الموجهة إليها بفتح أجوائها للعمل العسكري.
توقف الحراك الدولي
وتمتد التداعيات إلى الجانب الاقتصادي، حيث تؤكد رنجبال أن «سوريا متضررة اقتصادياً وتجارياً بشكل كبير بسبب توقف الحراك الدولي تجاهها نتيجة إغلاق المجال الجوي في دول المنطقة»، ففي الوقت الذي تحاول فيه دمشق الانخراط في حراك دولي محدود، يأتي إغلاق الأجواء ليعيدها إلى مربع العزلة الاقتصادية، ضحية لصراع هي بمعزل عنه.
شرق أوسط جديد
في لعبة الأمم الكبرى، تتحول التنازلات أحياناً إلى دخان، وتصمت الدبلوماسية حين تعلو صيحات البنادق، ما يحدث اليوم على أرض إيران ومحيطها الإقليمي، كما تراه الباحثة رنجبال، ليس مجرد حلقة جديدة في صراع ممتد، بل هو إعلان عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. بين ركام «الحزام الأمني» الإيراني، وشرخ الداخل، وصمت الحلفاء، تترسم ملامح «شرق أوسط جديد» تدفع ثمنه شعوب المنطقة، بينما يبقى السؤال المعلق: هل تستطيع إيران الصمود في وجه هذه العاصفة، أم إن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن ولاية الفقيه؟