الحرية– لوريس عمران:
يقف الاقتصاد العالمي اليوم على مفترق طرق خطير، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي التي تعيد رسم ملامح الخريطة الدولية للطاقة، الأنظار تتجه صوب مضيق هرمز، الشريان الذي لا يقتصر دوره على كونه ممراً مائياً استراتيجياً، بل هو شريان الحياة الذي يغذي أسواق الطاقة حول العالم، ومع تزايد المخاوف من إغلاق هذا الممر الحيوي، بدأت الأسواق تستشعر مقدمات هزة اقتصادية عنيفة، تمتد ارتداداتها إلى ما هو أبعد من أسعار النفط، لتلامس بصورة مباشرة قوت يوم المواطن العادي في أبعد بقاع الأرض.
علاوة المخاطر واضطراب الحسابات الدولية
في قراءة متعمقة للمشهد، يرى المستشار السياسي المحامي إسماعيل باقر، في حديثه لـ«الحرية»، أن مضيق هرمز يعد الأهم عالمياً، موضحاً أن أي تهديد فعلي لسلامة الملاحة فيه ينعكس بصورة فورية ولحظية على مؤشرات البورصات العالمية، ورغم أن الأرقام تشير إلى أن قرابة عشرة بالمئة من تجارة النفط العالمية تمر عبر هذا المضيق، إلا أن باقر لفت إلى أن التأثير الحقيقي لا يقاس بحجم البراميل المارة فحسب، بل بعامل القلق الذي يسيطر على الأسواق، مؤكداً أن مجرد الحديث عن احتمالات التعطل يرفع الأسعار بسبب ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسي».
استراتيجية الضغط ومقامرة الطاقة
وفي سياق القراءات السياسية للتحركات الإقليمية، بيّن باقر أن الطرف الإيراني، في ظل المواجهات العسكرية القائمة، يسعى بشكل واضح إلى توسيع نطاق الأزمة عبر التلويح بورقة الملاحة واستهداف دول الجوار، معتبراً أن هذه التحركات تهدف بالدرجة الأولى إلى خلق ضغط دولي عابر للقارات يدفع القوى الكبرى إلى التحرك الجاد نحو وقف إطلاق النار، وذلك لإدراك طهران العميق لمدى حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب مفاجئ في إمدادات الطاقة.
شبح الركود التضخمي يلوح في الأفق
أما عن التداعيات الاقتصادية الشاملة، فقد أوضح المستشار باقر أن استمرار التعطل لفترات طويلة سيُخرج الأزمة من نطاق سوق الطاقة إلى فضاء الاقتصاد الكلي، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الوقود والغاز مباشرة إلى قفزات في تكاليف الشحن والصناعة والكهرباء. محذراً من أن هذا المسار سيفضي حتماً إلى زيادة معدلات التضخم عالمياً، مما يضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما يضع العالم أمام مزيج كابوسي يجمع بين التضخم المرتفع والنمو المتباطئ، أو ما يُصطلح عليه اقتصادياً بـ«الركود التضخمي».
دور المركز والبدائل الاستراتيجية الصعبة
وحول الحلول المتاحة، لفت باقر إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في تهدئة روع الأسواق عبر زيادة الإنتاج، إلا أنه استدرك مؤكداً أن هذا الإجراء يظل «إسعافياً ومؤقتاً» لأن المعضلة الحقيقية تكمن في أمن الممرات وليس فقط في كمية الإنتاج، واختتم باقر رؤيته بالتأكيد على أن القوى الكبرى قد تُسرع في استراتيجيات تنويع مصادر الطاقة والاعتماد على خطوط الأنابيب البرية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الخليج العربي سيظل الركن الأساسي في منظومة الطاقة الدولية لسنوات طويلة قادمة.