رغم امتلاكها مزايا حقيقية ونسبية.. صناعة الألبسة الجاهزة أمام “سيناريوهين” خطيرين..!

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:
يواجه قطاع صناعة الملابس الجاهزة اختباراً وجودياً قاسياً ليس بسبب ضعف الخبرة والمهارة أو غياب الطلب، بل نتيجة بيئة إنتاج غير مكافئة، ما أفقده مكانة احتلها لعقود تشغيلياً وتصديرياً، في وقت تُبذل فيه محاولات متفرقة لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد.
وحسب الخبير الاقتصادي الدكتور هشام الخياط، فإن القطاع مهدد بتقلص حاد خلال السنوات القليلة المقبلة ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة وذكية، والسؤال الأبرز، هل يصمد قطاع الألبسة أم يتجه نحو الزوال؟
الجواب المباشر هو: لا، لن يصمد القطاع بشكله الحالي على المدى المتوسط (3–5 سنوات) إذا استمرت الظروف الراهنة دون إجراءات حمائية ذكية أو دعم موجه كما يؤكد الخياط لـ”الحرية”.
ويضيف: إن القطاع لن يختفي بالكامل، لكنه سيتحول إلى نشاط محدود يقتصر على الإنتاج المخصص والطلبات الخاصة، مثل ملابس الأعراس أو الأزياء الرسمية، مقابل خسارته جزءاً كبيراً من السوق المحلي، مع إغلاق واسع للورشات الصغيرة والمتوسطة في حلب ودمشق، وخسارة عشرات آلاف فرص العمل.

منافسة غير متكافئة

يرى الخياط أن التحديات التي تواجه القطاع متراكمة ومتعددة الأبعاد، ويمكن تلخيص أبرزها بتكاليف الطاقة المرتفعة جداً، حيث تشكل الكهرباء والمولدات ما بين 40 إلى 70% من التكلفة الإجمالية، وهي نسب تفوق بكثير مثيلاتها في دول منافسة كالأردن ومصر بنغلاديش، وغلاء مدخلات الإنتاج من خيوط وأقمشة وإكسسوارات بنسبة 30–50% مقارنة بالأسواق الإقليمية، نتيجة الاعتماد على الاستيراد والجمارك المرتفعة وتقلبات سعر الصرف.
والاجتياح الواسع للبالة (الملابس المستعملة)، التي تستحوذ على أكثر من نصف السوق الشعبي في العديد من المدن، بأسعار منخفضة تغير قواعد المنافسة جذرياً، والإغراق الخارجي من دول مثل الصين وبنغلادش وباكستان وتركيا، حيث تصل أسعار المنتجات النهائية أقل بـ40– 70% بفضل “اقتصاديات الحجم” والدعم الحكومي والطاقة الرخيصة، وضعف البنية التحتية واللوجستيات، ما يضيف 15– 25% إضافية على التكلفة النهائية.

مزايا نسبية غير مستثمرة

ورغم الصورة القاتمة، يؤكد الخياط أن القطاع السوري لا يزال يمتلك مزايا حقيقية يمكن البناء عليها، إذا ما استُخدمت بذكاء، منها القرب الجغرافي من أسواق العراق والأردن ولبنان وشمال السعودية وجنوب تركيا، ما يعني سرعة تسليم وكلفة نقل أقل، والمهارة التاريخية في التفصيل اليدوي والتطريز والتشطيب عالي الجودة، خصوصاً في الأزياء الراقية وفساتين السهرة.
ومن المزايا أيضاً القدرة على الإنتاج المرن والسريع بكميات صغيرة، المناسبة للطلبات الخاصة والعلامات المحلية، وإمكانية التوجه نحو الاستدامة والمنتجات المتخصصة (niche) للأسواق الأوروبية، في حال الحصول على الشهادات الدولية.
القيمة الرمزية لعلامة «صنع في سوريا» في النسيج الراقي، والتي يمكن إعادة إحيائها تسويقياً، لكنه يشدد على أن هذه المزايا لا تكفي وحدها، ما لم تُرافق بتحول استراتيجي نحو القيمة المضافة والجودة، لا الإنتاج الكمي.

سوق محلية خاسرة

في توصيفه لاتجاهات السوق، يوضح الخياط أن السوق المحلي بات شبه خاسر في الشريحتين الرخيصة والمتوسطة لصالح البالة والمنتجات المستوردة، مع بقاء محدود للشريحة الراقية والمخصصة.
وخلال ثلاث سنوات، قد تصل نسبة المنتجات المستوردة والمستعملة إلى 60–75% من السوق إذا لم يحدث أي تغيير.
التصدير لا يزال محدوداً جداً، ويقتصر على كميات صغيرة نحو العراق والأردن، دون قدرة حقيقية على المنافسة الإقليمية أو الدولية.

السيناريو الأخطر

يرسم الخياط سيناريوهين محتملين في حال غياب التدخل الحكومي الجدي، أولها التقلص البطيء، أي بقاء 25–40% فقط من القدرة الإنتاجية الحالية، وانخفاض الإنتاج إلى أقل من النصف، مع فقدان 50–70% من الوظائف.
ثانيها، الانهيار السريع، أي في حال تفاقم أزمة الطاقة، قد لا يبقى أكثر من 20% من القطاع، ويرى أن التعافي الجزئي ممكن فقط عبر إجراءات محددة، مثل دعم الطاقة للمصدرين، فرض رسوم جمركية انتقالية على البالة، تسهيل استيراد مدخلات الإنتاج، وإنشاء مناطق صناعية بتعرفة تفضيلية.

Leave a Comment
آخر الأخبار