الحرية – حسيبة صالح:
شهدت قاعة بغداد في فندق غولدن مزة جلسة اقتصادية حملت عنوان «عدالة توزيع الدخل في سوريا»، قدّمها الخبير الاقتصادي سمير سعيفان، بحضور مجموعة من الباحثين والمهتمين بالشأن العام، جاءت الجلسة في لحظة حساسة يمر بها الاقتصاد السوري، حيث تتزايد الفجوة بين الدخول وتتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل سؤال العدالة الاجتماعية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
استعرض سعيفان مسار التحولات الاقتصادية من سياسات “البعث البائد” إلى اقتصاد السوق، موضحاً أن الانتقال لم يكن متوازناً، إذ غابت عنه السياسات الضامنة للعدالة الاجتماعية، سواء على مستوى الضرائب أو دعم الإنتاج أو حماية الفئات الهشة، وأشار إلى أن هذا الخلل أدى إلى اتساع الفجوة بين الطبقات، وظهور تفاوتات واضحة في مستويات الدخل والرفاه.

مكافحة الفساد
وتطرّق سعيفان إلى أهمية إعادة تعريف دور الدولة في المرحلة المقبلة، بحيث لا يقتصر على التنظيم والإشراف، بل يمتد ليشمل حماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان الحد الأدنى من العدالة في توزيع الموارد، موضحاً أن تحقيق التوازن بين اقتصاد السوق والحماية الاجتماعية يتطلب سياسات ضريبية عادلة، ودعماً للإنتاج المحلي، وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات التي تمس حياة الناس مباشرة.
وشدّد سعيفان على أن مكافحة الفساد تمثل حجر الأساس لأي إصلاح اقتصادي حقيقي، معتبراً أن الفساد ليس مجرد خلل إداري، بل منظومة تُضعف الإنتاج وتُهدر الموارد وتُعمّق عدم المساواة، مؤكداً أن انتظار الدولة وحدها للقيام بالإصلاح هو خطأ استراتيجي، فترميم الاقتصاد يحتاج إلى عمل مجتمعي تشاركي، وإلى مبادرات محلية تعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات،وأضاف إن هناك أموراً لا يمكن تغييرها بسهولة، لكن الكثير يمكن تغييره إذا امتلك المجتمع الحكمة والشجاعة والإصرار.
ترميم الاقتصاد عملية تشاركية
الدكتور زياد عربش قدّم مداخلة محورية شدّد فيها على أن ترميم الاقتصاد السوري لا يمكن أن يكون مسؤولية الدولة وحدها، بل هو عملية تشاركية تتطلب تعاون المجتمع بكل قطاعاته، وأوضح أن الخروج من الأزمة يمر عبر تعزيز الإنتاج المحلي والانتقال من ثقافة الاستيراد إلى ثقافة التصنيع.
وضرب عربش مثالاً واضحاً عن ملف عدادات الكهرباء التي تُستورد من الخارج رغم إمكانية تصنيعها محلياً، معتبراً أن دعم الصناعة الوطنية يخلق فرص عمل، ويقلل فاتورة الاستيراد، ويعيد بناء القدرة الإنتاجية السورية.
الكهرباء أكثر القطاعات حاجة لإصلاح جذري
ركّز الدكتور خالد محجوب على قطاع الكهرباء بوصفه أحد أكثر القطاعات حاجة إلى إصلاح جذري، نظراً لارتباطه المباشر بكل مفاصل الإنتاج، وأشار إلى تجربة أمريكية في تطوير أنظمة الطاقة، مؤكداً أن نجاحها اعتمد على إعادة هيكلة القطاع، وتحسين الكفاءة، وتقليل الهدر، والاعتماد على حلول محلية مستدامة.
ورأى محجوب أن تبني نماذج مشابهة في سوريا يمكن أن يشكل خطوة أساسية نحو استقرار اقتصادي أوسع، ويعيد للقطاع دوره الحيوي في دعم الإنتاج والخدمات.
أبرز أسباب اختلال السوق
شدّدت الناشطة سوسن زكزك على أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في ظل اقتصاد يقوم على الاحتكار أو يخضع لهيمنة المتنفذين، وأوضحت أن غياب المنافسة الحقيقية هو أحد أبرز أسباب اختلال السوق اليوم، مؤكدة أن بناء اقتصاد عادل يتطلب فتح المجال أمام المنافسة الشفافة، وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطبيق القوانين على الجميع دون استثناء.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن عدالة توزيع الدخل ليست شعاراً نظرياً، بل هي شرط أساسي لاستقرار المجتمع، ولإعادة بناء الثقة، ولتأسيس اقتصاد قادر على النهوض من جديد، وبين التحليل الأكاديمي والمداخلات المتخصصة، بقي السؤال مفتوحاً أمام الجميع: كيف يمكن لسوريا أن تبني نموذجاً اقتصادياً يضمن عدالة توزيع الدخل، ويعيد للناس شعورهم بالأمان والإنصاف؟