الحرية- مايا حرفوش:
لا يزال سعر صرف الليرة السورية يتسم بعدم استقرار واضح، مع ميل في الآونة الأخيرة نحو الارتفاع التدريجي، هذا السلوك السعري المقصود به التذبذب لا يمكن عزله عن مجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والنقدية والنفسية، التي تتفاعل فيما بينها لتنتج هذا المشهد غير المستقر.
اختلال العرض والطلب
الخبير الاقتصادي أنس فيومي أوضح لـ الحرية أن أول تلك العوامل هو اختلال العرض والطلب على القطع الأجنبي الذي يعد العامل الأساسي وراء أي تحرك في سعر الصرف، فالطلب على الدولار لايزال مرتفعاً لأسباب متعددة، أبرزها: تمويل الاستيراد، حتى للسلع الأساسية، و الادخار والتحوط في ظل استمرار ضعف الثقة بالمصارف المحلية،والمضاربة بالآجال القصيرة، واللجوء لأعمال استبدال بطرق غير نظامية، للتخوف من موضوع مصادر الأموال.
بالمقابل فإن عرض القطع الأجنبي محدود، نتيجة ضعف الصادرات، وقلة تدفقات الاستثمار، وانكماش موارد الدولة من العملات الصعبة، ما يخلق فجوة مستمرة تميل بالكفة لصالح ارتفاع السعر.
العامل النفسي وفقدان الثقة
وضمن الإطار ذاته نجد أن العامل النفسي يلعب دوراً بالغ الأهمية، فالسوق لا يتحرك فقط بناء على معطيات واقعية، بل على التوقعات فأي إشاعة عن قرار نقدي أو سياسي تتحول فوراً إلى ضغط على الليرة، كما أن فقدان الثقة المتراكم يدفع الأفراد والتجار إلى التحوط بالدولار حتى في غياب مبررات آنية، هذا السلوك يولد ما يشبه “النبوءة ذاتية التحقق”، حيث يؤدي الخوف من ارتفاع السعر إلى شراء الدولار، فيرتفع فعلياً.
فقدان الغطاء الإنتاجي والاحتياطي
دون تجاهل التوسع النقدي في رأي “فيومي” غير المغطى حيث تعاني الليرة من آثار تراكمية للتوسع في الكتلة النقدية خلال سنوات الأزمة، دون وجود غطاء إنتاجي أو احتياطي نقدي كاف، لأن زيادة السيولة بالليرة مقابل اقتصاد ضعيف الإنتاج يعني ضغطاً إضافياً على سعر الصرف، تآكل في القوة الشرائية، تحويل الليرة من أداة ادخار إلى مجرد وسيلة تبادل مؤقتة.
إضافة إلى تعدد أسعار الصرف إن وجود أكثر من سعر صرف ( رسمي مصرفي، مواز ) يخلق حالة من الضبابية في السوق حيث يفتح المجال للمضاربة و التحكم، و النقطة المهمة يفقد السعر الرسمي دوره كمرجع، ما يدفع المتعاملين للاعتماد على السوق غير النظامية باعتبارها الأكثر واقعية، هذا التعدد يضعف فعالية أي سياسة نقدية مهما كانت نواياها.
تراجع القدرة الصناعية والزراعية
والجانب المهم أيضاً يكمن في ضعف الإنتاج الحقيقي فلا يمكن لأي عملة أن تستقر دون اقتصاد منتج واقتصادنا لايزال يعاني من تراجع القدرة الصناعية والزراعية، ارتفاع تكاليف الإنتاج، والمنافسة غير الشريفة مع المستورد و المهرب، إن غياب الإنتاج يعني غياب مصدر مستدام للعملات الأجنبية، وبالتالي بقاء سعر الصرف رهين التدفقات الظرفية لا الهيكلية.
وبالتالي فإن محدودية أدوات التدخل النقدي لأن المصرف المركزي يواجه قيوداً واضحة في أدواته احتياطي محدود نوعاً ما، قدرة تدخل انتقائية لا مستدامة، الاعتماد على إجراءات إدارية أكثر من كونها أدوات سوقية فغالباً ما تؤدي التدخلات الظرفية إلى تهدئة مؤقتة يعقبها ارتداد أقوى.
عوامل خارجية
لكن الدور الأبرز للعوامل الخارجية والتحويلات التي تلعب دوراً مزدوجاً، فهي من جهة مصدر دعم مؤقت للعرض، لكن من جهة أخرى موسمية و غير مستقرة، و لاتكفي وحدها لتثبيت السعر، كما أن أي تغير في البيئة الإقليمية أو القيود الخارجية ينعكس فوراً على السوق المحلية.
الحصيلة هناك خلل هيكلي منذ أمد طويل، يتداخل فيه الاقتصاد الحقيقي مع السياسة النقدية والسلوك النفسي للسوق، وأي استقرار حقيقي لن يتحقق عبر إجراءات ظرفية، بل من خلال مسار متكامل يعيد الثقة، ويعزز الإنتاج، ويوحد سعر الصرف، ويحول الليرة من عملة هشّة إلى أداة اقتصادية موثوقة.
نأتي للسؤال المهم هل الاستبدال كان له تأثير على سعر الصرف؟
وهنا يرى فيومي أنه يمكن أن نعتبر أن هذا الموضوع كان له أثر نفسي أكثر منه حسابي، فإجراء الحذف بحد ذاته لا يخلق قيمة اقتصادية جديدة ولا يحسن سعر الصرف تلقائياً، لكنه يتقاطع مع تذبذب الليرة في ثلاث نقاط أساسية:
- عندما يطرح حذف الأصفار في بيئة سعر صرف متذبذبة فالسوق يقرأ القرار كاعتراف ضمني بفشل ضبط العملة مما يزيد الطلب على الدولار تحوطاً من المجهول، فيتحول الإجراء من تهدئة نفسية إلى عامل قلق، لهذا أي حديث عن حذف الأصفار قبل استقرار نسبي يغذي التذبذب بدل أن يحده.
- في وطننا يشكل العامل النفسي أثراً أقوى من النظريات المحاسبية، فالناس تخشى أن يكون حذف الأصفار مقدمة تآكل جديد بالقيمة، و التجار غالباً يرفعون الأسعار بحجة إعادة التسعير، هكذا يتحول الإجراء إلى صدمة تضخمية مؤقتة أعود فأقول مؤقتة، هذا ينعكس فوراً على سعر الصرف، لأن التضخم المحلي يترجم بطلب إضافي على الدولار.
فحذف الأصفار إذا أطلق دون إصلاحات مرافقة يفسر كإجراء شكلي وقد يذهب بالبعض للمقارنة بتجارب فاشلة أخرى، أما إذا جاء بعد استقرار نسبي، فقد يكون خاتمة مسار لا بدايته.
الثقة قبل السعر
لذلك ووفق فيومي لابد من أن نطلق شعاراً أساسياً ومهماً، نقول فيه الثقة قبل السعر، ويمكن تلخيص تطبيق هذا الشعار بالنقاط التالية:
- تثبيت سلوكي لا رقمي لسعر الصرف واعتماد نطاق سعري معلن مع تدخل ذكي عند الذبذبات الحادة و ترك السوق يتنفس ضمن هامش معروف، ما يقلل المضاربة أكثر مما يفعله السعر الثابت الوهمي.
- توحيد أسعار الصرف تدريجياً فلا يمكن ضبط السوق بوجود سعر رسمي غير مستخدم و سعر مواز هو المرجع الحقيقي، لابد من إعادة مصداقية السعر الرسمي ما يقلل فرص تحكم المضاربين، يرسل إشارة جدية من المركزي للأسواق.
- كبح التوسع النقدي و ربطه بالإنتاج لا بنفقات جارية استهلاكية، الليرة الجديدة يجب أن تخلق من العمل لا من العجز.
- تفعيل دور المصارف وتحويلها من خزائن خاملة إلى أدوات امتصاص سيولة و تمويل إنتاج واستثمارات فمن دون قطاع مصرفي نشط تبقى السياسة النقدية عرجاء.
- حملة تواصل شفافة مع الناس مستمرة تشرح الإجراءات التنظيمية و معنى إدارة السيولة ومراحل علاج الأزمة لأن حذف الأصفار مرآة للسياسة النقدية وليس محركاً لها فإذا كانت السياسة ضعيفة سيكشفها، و إن كانت متماسكة سيتوجها فحذف الأصفار ليس رفعاً في القيمة و لا تغييراً في سعر الصرف الحقيقي، بل إعادة هيكلة التداول النقدي وتسهيل التعاملات اليومية، و هو ما يتناسب مع الأسس المثلى لسياسة نقدية مدروسة، وتعزيز لإدارة السيولة وتحسين لأدوات البنك المركزي.