الحرية – ميسون شباني:
في موسم دراما رمضان 2026، بدا حضور الفنان فادي صبيح أشبه بخريطة أداء متعددة المسارات، لا يكتفي فيها بالتنقل بين الأعمال، بل بين طبقات مختلفة من التمثيل أيضاً.
فالممثل الذي عرفه الجمهور طويلاً في أدوار البيئة الشامية الصلبة، يقدّم هذا العام مجموعة شخصيات تسمح بقراءة أداته التمثيلية من زوايا متباينة: من الأداء الداخلي الصامت، إلى الحضور الصدامي المباشر، وصولاً إلى الشخصية الحذرة التي تتكلم بقدر ما تصمت.
الألم بصوت منخفض
في مسلسل مطبخ المدينة، يذهب صبيح بعيداً في خيار التمثيل الداخلي المقتصد عبر شخصية “دياب”. هنا لا يعتمد الممثل على الانفجار العاطفي أو الخطابة الانفعالية، بل يترك الشخصية تتحرك في مساحة ضيقة من التعبير، حيث يصبح الصمت جزءاً من اللغة الدرامية.
“دياب” رجل مثقل بالوجع، لكن هذا الوجع لا يُعرض على شكل انهيار.
إنه وجع يُحمل بهدوء، كأن الشخصية اعتادت العيش معه حتى صار جزءاً من تكوينها. في هذا الدور، يختار صبيح الاقتصاد في الحركة، ويستبدل الانفعال الواضح بحضور نفسي كثيف. النظرة، الوقفة، وتوقيت الجملة، كلها أدوات لبناء شخصية تبدو كأنها تخفي أكثر مما تقول, يمنح المتلقي مساحة ليكتشف الألم بنفسه.
بين الكوميديا والظهور العابر
إلى جانب هذا الدور، يتوزّع حضور صبيح في أكثر من عمل خلال الموسم. في الجزء الثالث من “ما اختلفنا” يعود إلى صيغة اللوحات القصيرة، مستفيداً من خبرته في التقاط المفارقة اليومية وإدارة الإيقاع الكوميدي السريع. هنا يظهر وجه آخر من أدواته.. ممثل يعرف كيف يضبط توقيت النكتة ويحوّل الموقف العابر إلى لحظة ساخرة.
وفي بنت النعمان يمرّ بدور صغير أقرب إلى التحية لعودة الكاتب والممثل محمد أوسو إلى الدراما السورية. كما يشارك في ثلاثية من “قيصر” في حضور يكمّل خريطة تنوّعه خلال الموسم.
أما تعاونه الجديد مع المخرج الليث حجو في مسلسل “السوريون الأعداء” المأخوذ عن رواية للكاتب فواز حداد، فيبقى مشروعاً مؤجلاً إلى خارج الموسم. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة تحمل توقعات مرتفعة، نظراً إلى التجارب السابقة التي جمعت الطرفين.

البيئة الشامية: اختبار الأداتين
غير أن المساحة الأكثر إثارة للمقارنة في موسم صبيح هذا العام تأتي من عملين في البيئة الشامية: “اليتيم” و”النويلاتي”وهنا لا تتبدل البيئة بقدر ما تتبدل طريقة قراءة الممثل لها.
فعبر “اليتيم” يؤدي صبيح شخصية “زعيط”، شخص شرير صدامي واضح الدوافع، تتحرك بدافع المصلحة المباشرة، وتفضّل المواجهة على المواربة. أداؤه هنا يعتمد على حضور جسدي واضح: نبرة صوت أعلى، حركة صريحة داخل المشهد، واندفاع يرفع مستوى التوتر الدرامي. ومع ذلك، يضيف صبيح لمسة ساخرة خفيفة تمنح الشخصية بعداً شعبياً يجعلها أقرب إلى الجمهور.
أما في “النويلاتي” فيقدّم شخصية “صلاح” ضمن عمل يحمل طابعاً تاريخياً فانتازياً يرتبط بعالم المهن القديمة وأسرارها. هنا يتغير الإيقاع تماماً. بل تبدو الشخصية أكثر هدوءاً وتروّياً، وتتحرك بحذر واضح. يعتمد الأداء على التفاصيل الصغيرة: نظرة طويلة، وقفة محسوبة، إيماءة مقتصدة. ويبدو وكأنه يخفي اندفاعه خلف طبقة من الدهاء والحنكة، ما يمنح الشخصية عمقاً مختلفاً.
ثلاثة وجوه بأسلوب واحد
بهذه الشخصيات الثلاث، يقدّم فادي صبيح هذا الموسم ما يشبه ثلاثة وجوه لأسلوب تمثيلي واحد: دياب في مطبخ المدينة يعكس الألم الصامت والاقتصاد في التعبير. وزعيط في اليتيم يحضر عبر الصدام والحضور المباشر، وصلاح في النويلاتي يمثل الحذر والدهاء وبناء الشخصية عبر التفاصيل، هي ليست مجرد أدوار مختلفة، بل اختبارات لأدوات الممثل نفسه. فبين الأداء الداخلي الخافت والأداء الخارجي الصاخب، يثبت صبيح قدرته على تدوير شخصيته التمثيلية بما يناسب كل عالم درامي.
ومع ذلك، تبقى المفارقة أن العمل الأكثر جماهيرية بين هذه التجارب هو اليتيم، حيث تحقّق شخصية «زعيط» حضوراً شعبياً واضحاً، ربما لأن الجمهور لا يزال يميل إلى الشخصيات المباشرة التي تعلن نفسها بصوت مرتفع.
لكن خلف هذا الصوت، يظل موسم 2026 دليلاً على أن فادي صبيح ممثل يعرف كيف يغيّر إيقاعه، دون أن يفقد ملامحه الأساسية.