الحرية- علي الراعي:
في مسعاها لتقديم مُنجزها التشكيلي؛ تقوم الفنانة التشكيلية فاطمة أسبر بسلك أكثر من دربٍ جمالي لالتقاط مشاهدها البصرية؛ الأمر الذي منحها خصوصية فنية من خلال أسلوبها الفني الذي تجلى بملاح فارقة، والذي ميزته بأكثر من منحى فني.
نصوص تشكيلية
على سبيل المثال؛ ليس مُفاجئاً أن تُطلق اسم “نصوص تشكيلية” على أحد معارضها الذي أقامته ذات حينٍ ليس بعيد في غاليري سموقان في اللاذقية وكان معرضها الثاني، وفي أقل من شهر، حيث أقامت قبل ذلك معرضها الفردي الأول بصالة مصطفى علي في الشام القديمة.
أقول ليس مُفاجئاً إطلاق اسم “نصوص تشكيلية” على المعرض رغم مُفارقتها لما تُسمى به المعارض التشكيلية عادةً، إذ إنّ كلمة “نصوص” تُحيل المُتلقي لأجناس إبداعية سردية كالقصة والشعر مثلاً.. ففاطمة إسبر التي تخوّض بألوانها بعد عتيًّ من القول الشعري، وهي القادمة للتشكيل من بيت شعري له بصمته في المشهد الشعري العربي، هذا البيت الذي امتدّ صداه ليس إلى خارج سوريا أو العالم العربي وحسب.
حمولات رمزية
وفاطمة إسبر في أعمالها الفنية التي أول ما بدأت خطواتها التشكيلية من خلال العالم الرقمي، الذي وسم لوحتها فيما بعد بالكثير من الملامح الخاصة لاسيما الاختزال والتبسيط الذي يذهب بعيداً في الحمولات الرمزية. تلك الحمولات التي تأتي من تكوين مُعين ومختزل لرأس أمرأة مثلاً، لكنه يصرُّ على الشموخ، فالفن الرقمي الذي يعتمد على الرسم بالقلم الضوئي كما هو معروف، يخلق – كما يرى بعض النقاد – أحاسيس معينة للسطح، هذه الأحاسيس التي يُمكن أن يتلمسها متلقي لوحة إسبر في تفاصيل كثيرة من خلال التأثيرات الخطية واللونية التي تكررها في أكثر من منحى وتكوين لوني، والتي تأتي كمن يطرح ألوانه على سطح اللوحة من اسفنجة..
اختزال يصل أحياناً إلى حواف التجريد دون أن يغرق فيه، ذلك أنها تنعطف بمسارها اللوني صوب سريالية خاصة جداً. فهي ستضعُ الاتجاهات الفنية الصرفة جانباً، لتتناول من كل اتجاه أو مدرسة طرف الخيط منها، لذلك يُمكن لمتلقي لوحة أسبر أن يرى في تفاصيلها شيئاً من السوريالية وشيئاً آخر من التجريد أو شيئاً من الرومانسية والواقعية، وحتى الخيال أو من خلال التخييل الذي يعمل على إخراج جوانيات الفنانة للظهور برؤية جمالية مختلفة..
غائمة الملامح
وأن كان أكثر ما يتجلى في لوحة الفنانة إسبر؛ هي المرأة.. تلك المرأة الغائمة الملامح التي تختزل وتُكثف من خلال تكوينها الواقعي الكثير ليبرز أكثر ما يبرز الرمز الذي يأتي ملوناً وممتعاً للمشاهد ودون ان تنسى الرسالة الفكرية التي تطرحها من خلال عملها.. غير أن كل ذلك يأتي متوازناً ودون أن يطغى أحدٌ على الآخر. فليس الغاية من التكوين الأنثوي في لوحة إسبر إبراز الجسد وجماليته، أو أن يكون حاملاً للرسالة الفكرية والجمالية لمقولة اللوحة. وإنما الغاية كما بدت هي التعبير بالجسد، وهو هنا جسد المرأة لتحقيق القيم الجمالية. ذلك الجسد الذي نلمس منه روحه أكثر من تمام تكاوينه الخالصة.
ملامح جمالية
وربما هذه من أهم الملامح الجمالية التي تُقدمها الفنانة التشكيلية فاطمة أسبر في أعمالها الفنية، والتي يُمكن أن يقف المتلقي أمامها طويلاً متأملاً ومأولاً؛ إنها تُقدّمُ عالماً بصرياً ينهض من العتمة ويعود إليها، وكأن اللوحة نفسها تعيش حالة تنفّس بين الظلام والضوء.. وعند تأمل الكثير من لوحاتها، فإننا لا نواجه مجرد تكوينات تجريدية، بل فضاءً كثيفاً تُعاد فيه كتابة الإنسان بصياغاتٍ جديدة، متآكلة، هشّة، لكنّها لا تكفّ عن إنتاج معنى.
حيث تبدو أسبر هنا وكأنها تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بظلاله.. فهي لا ترسمُ جسداً، بل ترسمُ أثراً، ولا تقدّم حضوراً، بل بقايا حضور.. وبينما يبدو السواد خلفية لونية، في بعض أعمالها؛ فإنه في واقع الأمر يقوم بدور المسرح النفسي الذي يظهر منه الشكل ويتوارى فيه، وكأنه جزء من عملية خَلْق غير مكتملة.
في هذه اللوحات، والأعمال الفنية كثيراً ما جاورت الفنانة إسبر ألواناً بعينها لتقول غوايتها اللونية، وهي على الغالب ألوان الأزرق والأحمر والأبيض والأصفر والكثير من الرمادي، والأخير الذي يأتي كغيمة خلال فرد الألوان وبسطها على بياض اللوحة. تلك الألوان التي تختارها – على ما يبدو – بعفوية ودون تعمّد، وهو ما يُعطي مصداقية ما في القيم الجمالية التي تبتغيها الفنانة، وهي تملأ بياض اللوحة تلويناً.