الحرية ـ سراب علي:
لا يقتصر المشهد في الأسواق حالياً خلال شهر رمضان على وفرة السلع فحسب، بل تمتزج معه موجة من “المهرجانات التسويقية” والعروض الترويجية التي تعد بتخفيضات كبيرة وحسومات مغرية، فتكتظ رفوف المحلات بكل أصناف المواد الغذائية، حتى بات توفر كل الأصناف حدثاً بحد ذاته بعد التحرير.
فما تأثير العروض الترويجية للمواد الغذائية في رمضان على المستهلك؟ وما الاستراتيجيات التسويقية في ظل واقع اقتصادي جديد قوامه الوفرة من ناحية، وتراجع القدرة الشرائية من ناحية أخرى؟
تصريف المخزون وإغراء المستهلك
في هذا الخصوص يوضح عميد كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي في تصريحه لـ”الحرية” أن شهر رمضان يمثل “موسماً ذهبياً” للتجار والشركات على حد سواء، فمع تغيّر نمط الاستهلاك وزيادة الطلب على المواد الأساسية والكمالية، تتنافس العلامات التجارية على جذب الزبائن بشتى الطرق، مشيراً إلى أن هذه المهرجانات تحمل في طياتها بعدين، فهي من جهة تهدف إلى تنشيط الحركة التجارية وزيادة السيولة، ومن جهة أخرى تسعى إلى “تصريف المخزون” الراكد أو قريب الصلاحية استعداداً لاستقبال بضائع جديدة.
مبيناً أن هذه الاستراتيجيات التسويقية تعتمد بشكل كبير على إثارة رغبة المستهلك عبر أساليب جاذبة، مثل: “اشتر اثنين واحصل على الثالث مجاناً”، أو تقديم تخفيضات تبدو كبيرة على سلع معينة، حيث إن المشاركة في هذه المهرجانات هي جزء من مسؤولية الشركات المجتمعية وفرصة للتواصل مع الجمهور، لكن المصداقية هي أساس نجاح هذه العروض.
تحفيز ثقافة الشراء الاندفاعي
ويشير د.الرفاعي إلى الدور الذي تلعبه العروض الترويجية في تحفيز سلوك المستهلك، فالإعلانات المكثفة والشعارات البراقة تدفع الزبون أحياناً لشراء كميات أكبر من حاجته الفعلية، بدافع “اغتنام الفرصة” أو الخوف من ضياعه، وهذا السلوك يتحول تدريجياً إلى ثقافة شراء اندفاعي وتخزين، حيث تمتلئ بيوت الناس بعلب الزيت والأرز والسكر تكفي لأشهر، بدلاً من الشراء المستمر وحسب الحاجة.
ويضيف: بعض المواطنين يرون بعض هذه العروض هي مجرد “دعاية تسويقية”، ولا تعكس القيمة الحقيقية للسلع، خاصة تلك التي تكون قريبة من انتهاء الصلاحية أو مجهولة المصدر، بينما يرى البعض الآخر أنهم أحياناً يشترون أشياء غير ضرورية بدافع الإغراء، لكنها في النهاية تساعد هذه العروض على توفير جزء من ميزانية الأسرة، هذا التناقض في وجهات النظر يعكس حيرة المستهلك السوري بين الرغبة في التوفير ووقوعه في فخ الاستهلاك المفرط.
من جهة أخرى يحذر الخبير الاقتصادي من أن تخزين كميات كبيرة من السلع بأسعار منخفضة يؤدي إلى “اختلال توازن الإنفاق” العائلي وقد يعزز ظاهرة العجز المالي وخاصة إذا كان الشراء يتم على حساب احتياجات أساسية أخرى أو بالاستدانة.
د. الرفاعي: مهرجانات رمضان التسويقية سلاح ذو حدين.. تنعش السوق أم ترهق الميزانية؟
وفرة مقابل تراجع القدرة الشرائية
ويشير الرفاعي إلى أن السمة الأبرز لرمضان هذا العام في سورية هي “وفرة السلع” وتوفرها من كل صنف، إذ لم يعد السؤال المطروح هو “هل تتوافر المواد؟”، بل “هل يستطيع المواطن شراءها؟”.. فالأسواق ممتلئة، والرفوف مزينة بكل ما يخطر على البال، لكن الجيوب أصبحت أكثر حذراً، وهنا يمكن أن نذكر أن وفرة السلع لا تعني تلقائياً استقرار السوق، فالأهم هو قدرة الناس على الشراء من دون قلق يومي.
في هذا السياق، يبيّن الرفاعي أن حجم الطلب العام على السلع هو “الأقل منذ عقود عديدة”، حيث تحول الكثيرون إلى الشراء بالحبة والغرام، بدلاً من الشراء بالكيلو، وذلك لتتناسب مشترياتهم مع قيمة العملة النقدية المتوافرة لديهم يومياً، هذا يعني أن شريحة كبيرة من المجتمع لم تعد قادرة على التخزين حتى لو وجدت عروضاً مغرية، لأن الدخل الثابت لا يواكب حركة الأسعار ولو كانت تدريجية.
ويضيف: نحن أمام انقسام طبقي في سلوك الشراء، فئة قادرة على استغلال العروض لتخزين احتياجاتها (الشراء الاندفاعي الكبير)، وفئة أكبر تعيش يوماً بيوم ولا تستفيد من هذه العروض سوى بشراء الحد الأدنى الذي تسمح به ميزانيتها المحدودة (الشراء حسب الحاجة فقط).
الوهم والمصداقية
في السياق نفسه يبرز الدكتور الرفاعي إشكالية كبرى تطول جيب المستهلك السوري، وهي مدى مصداقية التخفيضات المعلنة، فالعروض الترويجية بحسب توصيفه تنقسم إلى نوعين: الأول يقدم حسومات حقيقية على سلع محددة، والثاني هو عروض “وهمية” تُخفي خلفها قيمة حقيقية للمنتج لا تعكس هذا الانخفاض.
ويوضح أن بعض التجار يلجؤون إلى حيلة رفع الأسعار أولاً، تمهيداً للإعلان عن تخفيضات كبرى عليها ليكون السعر النهائي مساوياً لسعر السوق العادي أو حتى أعلى منه.
وفي مواجهة هذه الممارسات، يشير الرفاعي إلى الدور الرقابي لمديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك، والتي تشن جولات تفتيشية مكثفة قبل وخلال شهر رمضان، بهدف التأكد من سلامة المواد وصلاحيتها، ومدى مطابقة العروض للقوانين الناظمة للأسواق.
نحو استهلاك واعٍ
يخلص الدكتور الرفاعي إلى القول: إن العروض الترويجية على المواد الغذائية في شهر رمضان في سوريا ما بعد التحرير، تمثل سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة فرصة لتحريك عجلة السوق وتوفير بعض السلع بأسعار مخفضة للمواطنين، وخاصة محدودي الدخل، لكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى أداة تسويقية تدفع البعض نحو الشراء الاندفاعي والتخزين غير المدروس، ما يربك ميزانية الأسرة ويعزز ثقافة استهلاكية غير مستدامة.
ويختم بالتأكيد على أن وعي المواطن هو خط الدفاع الأول، فهو القادر على التمييز بين العرض الحقيقي والوهمي، والشراء وفق حاجته الفعلية دون الانجراف وراء إغراءات الإعلانات.
لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن الدور الأكبر يبقى على عاتق الجهات الرقابية، لتشديد العقوبات وضبط الأسواق، بما يضمن أن تظل هذه المهرجانات خدمة حقيقية للمواطن، لا مجرد وسيلة لتصريف البضائع وتعظيم الأرباح على حساب جيوب السوريين الحذرة.

