في ذاكرة شهر رمضان بدير الزور.. عاداتٌ وتقاليد غابت ونكهة وروحانيّة حاضرة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرّية – عثمان الخلف:

كان لشهر رمضان الكريم عاداته وتقاليده التي بقيت في ذاكرة أهالي دير الزور ، وتغيرت مع تطورات الزمن ، فيما لايزال للشهر الفضيل نكهته بأجوائه الروحانيّة وطقوسه العباديّة، ومهما كان ضغط ظروف الحياة المعيشيّة، فما زالت العوائل تحرص على أن تعيشه رغم الأوضاع الضاغطة حياتياً.

ذاكرة رمضان

خلال  سنوات مضت، كان الأطفال في مدينة دير الزور يلجؤون للاجتماع قُبيل غروب الشمس بانتظار موعد الإفطار في شهر رمضان، وغالباً يكون ذلك حين يُصادف الشهر الفضيل في فصل الصيف ويُسمى ذلك الاجتماع (اللميّة)، إذ يُحضر هؤلاء الأطفال ما يُطلق عليه اسم “إفطاريتهم” وهي حلوى وعصير ومأكولات صنّعتها الأمهات، بينما البنات يجلسن على مصطبة مُطلة على فرع نهر الفرات الصغير في “دير العتيق” الذي كان مكان التشكل الأول للمدينة، ويُسمى بـ”دچة رمضان”، وكل منهن أحضرت زوادة فطورها لتناول الفطور جماعياً.

ويشير الباحث في التراث المهندس غسان الخفاجي، في حديثه لـ”الحرية”  إلى أنه “في السابق كان أول أيام الإفطار من شهر الصيام في بيت كبير العائلة إما بيت الجد أو الأب أو العم أو الأخ الأكبر، وموعد بدء الإفطار يترافق مع سماع الأذان الذي يسبقه صوت مدفع رمضان، ويُدعى محلياً “الطوب” وهو بوري من الحديد بقطر يتجاوز 3 إنشات، حيث توضع فيه قذيفتان، واحدة للصوت والثانية للارتفاع ويجري إطلاقها، وفي الغالب يتم ذلك من موقع الحديقة المركزية وسط المدينة، كذلك في حي المطار القديم بإشراف فوج الإطفاء”، لافتاً إلى أن “هذه العادات غابت بالمطلق، كنتيجة لتطورات الحياة”.

ونتيجة الأحداث التي عاشتها المحافظة وسوريا عموماً غابت بعض أنواع المشروبات عن المائدة الرمضانية، وبات وجودها يقتصر فقط على بعض العوائل الميسورة، مثل شراب “قمر الدين” الذي يتم تصنيعه من ثمرة المشمش المجففة، إذ حلت محله بودرة العصائر الجاهزة، إضافة إلى مشروبات “العرقسوس والتوت والتمر الهندي”، التي تباع ضمن أكياس وبكمية أقل من ليتر واحد.

كما أشار الباحث “الخفاجي” إلى أن أهالي دير الزور كانوا يحرصون على وجود “الأكلات البيضاء” مثل “الشاكرية والششبرك وشيخ المحشي” على مائدة يومهم الرمضاني الأول، لافتاً إلى أن طقساً كهذا بات محدوداً الالتزام به كنتيجة لتكاليف إعداده.

وتشتهر في دير الزور أكلة السحور المُسماة “الحنيني” أو “الحنينة” التي تُصنع من البيض والتمر مع السمن العربي، حيث يُوضع السمن على النار وتُضاف له حبات التمر المنزوعة النوى ويتم تحريكها حتى يصبح التمر طرياً أكثر .

صلاة التراويح

لصلاة التراويح في ديرالزور نكهة روحانية واجتماعية خاصة، حيث تعم المساجد أجواء الإيمان والتلاحم، وتصدح حناجر القراء بأعذب الأصوات، وتُحيي ليالي رمضان صلاة التراويح والقيام، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها المدينة، ويلفت الخفاجي إلى أن المساجد تشهد إقبالاً كثيفاً من مختلف الأعمار، خاصة الشباب والأطفال.

مُشيراً إلى أن التراويح فرصة لتعزيز الروابط بين أهل الحي، حيث يتجمعون بعد الصلاة للتهنئة بقدوم الشهر الفضيل.

المسحراتي

ويلفت الباحث الخفاجي إلى أن دير الزور لم تعرف ظاهرة ” المسحراتي ” إلا في السنوات المتأخرة التي قد تمتد لعقدين، ويمتهنها الآن عددٌ محدود يُغطون أحياء يتوزعون عليها، وفي القرى قد تصدف شخصاً واحداً كانت مدينة دير الزور تُعرف أنها المدينة التي لا تحتاج مسحراتي لأن أهلها لا ينامون طيلة رمضان ، إذ كانت أجواء السهر تمتد حتى السحور دون انقطاع. بعد صلاة التراويح، يتجه الرجال إلى ما يُعرف بـ”الجراديق” — وهي جلسات على ضفاف نهر الفرات — يقضون ساعاتها في سماع القصص والحكايات الشعبية حتى وقت السحور.

هذا الأمر جعل وجود من يوقظ الناس أمراً لا حاجة له، وحين ظهر المسحراتية في دير الزور لاحقاً كانوا وافدين من حلب ودمشق وليسوا من أبناء المدينة، يعملون طوال الشهر ثم يجمعون “العيدية” من البيوت ويعودون إلى بلدهم.

Leave a Comment
آخر الأخبار