في ذكرى انطلاق الثورة السورية.. إعادة بناء البنية التحتية مدخل أساسي للتعافي الاقتصادي والتنمية

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية – وداد محفوض:
تمر اليوم الذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية ، حيث خاض الثوار خلالها معارك كبيرة في سبيل نيل الحرية ، من نظام استبدادي ظالم.
وفي هذا التوقيت يبرز ملف إعادة بناء البنية التحتية كأحد أهم التحديات التي تواجه البلاد في مرحلة التعافي وإعادة الاستقرار، فقد أدت سنوات الحرب الطويلة إلى دمار واسع في شبكات الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس، إضافة إلى محطات الكهرباء والمياه، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة السكان وعلى قدرة الاقتصاد السوري على استعادة نشاطه.
وفي لقاء مع الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور محمد صلاح الدين أبو عيسى أكد لـ”الحرية” أن المراحل التي تعقب انتهاء الصراعات الكبرى تمثل لحظات تاريخية حاسمة في مسار الدول واقتصاداتها، إذ لا يقتصر التحدي في هذه المراحل على إعادة إعمار ما دمرته الحرب فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء المنظومة الاقتصادية للدولة بما يسمح بإطلاق مرحلة جديدة من التنمية المستدامة.

مرحلة جديدة بعد التحرير

وأشار د. أبوعيسى إلى أن سوريا، ومع دخولها مرحلة جديدة بعد التحرير، تواجه استحقاقاً اقتصادياً كبيراً يتمثل في إعادة بناء البنية التحتية، التي تعد المدخل الأساسي لإعادة تشغيل الاقتصاد الوطني واستعادة قدرته الإنتاجية. فالبنية التحتية في الاقتصادات الحديثة تمثل الإطار المادي الذي تستند إليه مختلف الأنشطة الاقتصادية، حيث إن الطرق والمرافئ وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات لا تعد مجرد منشآت خدمية، بل عناصر إنتاجية تؤثر بشكل مباشر في تكاليف الإنتاج وكفاءة الأسواق وقدرة الاقتصاد على النمو.
وبين  الخبير الاقتصادي أن هذه البنية تعرضت خلال سنوات الحرب لأضرار واسعة أدت إلى تعطّل العديد من القطاعات الاقتصادية وارتفاع تكاليف التشغيل. وتشير التقديرات الاقتصادية الدولية إلى أن تكلفة إعادة الإعمار في سوريا قد تتراوح بين 300 و400 مليار دولار، في حين تقدر كلفة إعادة تأهيل البنية التحتية وحدها بما يتراوح بين 120 و150 مليار دولار خلال العقد الأول من عملية إعادة الإعمار. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإنها تعكس في الوقت ذاته فرصة اقتصادية تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس أكثر كفاءة وحداثة.
ولفت د. أبو عيسى إلى أن الأدبيات الاقتصادية في مجال اقتصاديات التنمية تؤكد وجود علاقة وثيقة بين مستوى تطور البنية التحتية ومعدلات النمو الاقتصادي، إذ يؤدي ارتفاع حجم الاستثمار في هذا القطاع إلى تحسين الإنتاجية الاقتصادية ورفع كفاءة الأسواق.

إعادة تشغيل القطاعات الصناعية التي تضررت خلال الحرب

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن زيادة الاستثمار في البنية التحتية بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن ترفع معدل النمو الاقتصادي بنحو 1.5% على المدى المتوسط.
وأضاف أن مشاريع إعادة بناء البنية التحتية يمكن أن تحقق مجموعة من الآثار الاقتصادية المهمة في سوريا، من بينها إعادة تشغيل القطاعات الصناعية التي تضررت خلال الحرب، وخفض تكاليف النقل والإنتاج، وتحسين بيئة الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، إضافة إلى توفير فرص عمل واسعة في قطاع البناء والقطاعات المرتبطة به.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن مشاريع إعادة الإعمار قد توفر ما بين 1.5 و2 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال السنوات الأولى من عملية إعادة البناء. كما يتميز الاستثمار في البنية التحتية بما يعرف في الاقتصاد بـ تأثير المضاعف الاقتصادي، حيث يؤدي كل دولار يتم إنفاقه في مشاريع البنية التحتية إلى توليد ما بين 1.6 و2.2 دولار من النشاط الاقتصادي الإضافي في القطاعات المرتبطة.

تحديد أولويات واضحة للاستثمار

وأوضح د. أبوعيسى أن نجاح عملية إعادة الإعمار يتطلب تحديد أولويات واضحة للاستثمار، بحيث يتم توجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الأكثر تأثيراً في عملية التعافي الاقتصادي. ويأتي قطاع الطاقة والكهرباء في مقدمة هذه القطاعات نظراً لدوره المحوري في تشغيل الاقتصاد، فقبل الحرب كان إنتاج الكهرباء في سوريا يقارب 9000 ميغاواط، إلا أن هذا الرقم انخفض خلال سنوات الحرب إلى أقل من 3000 ميغاواط في بعض الفترات نتيجة الأضرار التي لحقت بمحطات التوليد وشبكات النقل. ولذلك فإن إعادة تأهيل هذا القطاع تتطلب استثمارات قد تصل إلى نحو 40 مليار دولار لإعادة بناء محطات التوليد وتحديث شبكات النقل والتوزيع.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تمثل أيضاً فرصة للتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، حيث يمكن للطاقة الشمسية وحدها أن توفر ما بين 20 و30% من احتياجات الكهرباء في سوريا خلال العقد القادم إذا ما تم الاستثمار في هذا القطاع بشكل منهجي.
وفيما يتعلق بقطاع النقل، أكد د. أبوعيسى أن شبكات الطرق والنقل تعد من الركائز الأساسية في إعادة تنشيط الاقتصاد، نظراً لدورها في الربط بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والأسواق الخارجية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 40% من شبكة الطرق الرئيسية في سوريا تعرضت لأضرار جزئية أو كلية خلال سنوات الحرب ، كما أن إعادة تأهيل الطرق الدولية وشبكات السكك الحديدية تتطلب استثمارات قد تصل إلى نحو 25 مليار دولار خلال السنوات العشر الأولى من عملية إعادة الإعمار.

تطوير المرافئ والبنية اللوجستية

وأضاف إن تطوير المرافئ البحرية يمكن أن يلعب دوراً مهماً في إعادة دمج الاقتصاد السوري في حركة التجارة الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، يمكن أن يلعب الساحل السوري دوراً محورياً في عملية إعادة الإعمار بفضل موقعه الجغرافي على البحر المتوسط، حيث تمتلك مدن مثل طرطوس واللاذقية إمكانات كبيرة للتحول إلى مراكز لوجستية وتجارية مهمة في المنطقة.
وأوضح أن تطوير المرافئ والبنية اللوجستية في الساحل السوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة حجم التجارة الخارجية السورية بنسبة تتراوح بين 30 و40% خلال العقد القادم، كما يمكن أن تسهم مشاريع المناطق الصناعية واللوجستية في جذب استثمارات جديدة في قطاعات النقل والخدمات والتجارة. وتشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن هذه المشاريع قد تسهم في توفير نحو 150 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال السنوات الأولى من تنفيذها.
وأشار د. أبوعيسى إلى أن التجارب الدولية تؤكد أهمية الاستثمار في البنية التحتية كركيزة أساسية للتعافي بعد الحروب، مستشهداً بتجربة خطة مارشال التي أطلقت بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار الاقتصاد الأوروبي، حيث تم ضخ نحو 13 مليار دولار آنذاك، وهو ما يعادل أكثر من 130 مليار دولار اليوم، في مشاريع البنية التحتية والصناعة. وقد ساهمت هذه الاستثمارات في تحقيق معدلات نمو اقتصادي تجاوزت 5% سنوياً في العديد من الدول الأوروبية خلال عقد الخمسينيات.
وأكد أن نجاح عملية إعادة الإعمار لا يعتمد فقط على حجم التمويل المتاح، بل يرتبط أيضاً بكفاءة التخطيط الاقتصادي وإدارة المشاريع، إضافة إلى استقرار البيئة الاستثمارية.
وفيما يتعلق بآليات التمويل، أوضح د. أبوعيسى أن حجم الاستثمارات المطلوبة لإعادة بناء البنية التحتية في سوريا يتطلب اعتماد نموذج تمويلي متنوع يجمع بين عدة مصادر، من بينها الاستثمارات الحكومية في القطاعات الاستراتيجية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى جانب التعاون مع المؤسسات المالية والتنموية الدولية. وتشير التقديرات إلى أن القطاع الخاص يمكن أن يساهم بما يقارب 40% من استثمارات إعادة الإعمار في حال توفرت البيئة القانونية والاقتصادية المناسبة.

إعادة بناء البنية التحتية مشروع اقتصادي وطني

وفي ختام تصريحه، أكد د. أبوعيسى أن إعادة بناء البنية التحتية في سوريا ليست مجرد عملية لإصلاح ما دمرته الحرب، بل هي مشروع اقتصادي وطني يعيد تشكيل مستقبل البلاد لعقود قادمة. فكل طريق يعاد تأهيله، وكل محطة كهرباء تعود للعمل، وكل مرفأ يتم تطويره يمثل خطوة أساسية نحو استعادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوري. مضيفاً إن التعامل مع هذه المرحلة برؤية اقتصادية استراتيجية تعتمد على التخطيط طويل الأمد والاستثمار في القطاعات الحيوية يمكن أن يحول عملية إعادة الإعمار من مجرد عملية ترميم إلى منصة لانطلاق نهضة اقتصادية شاملة تعيد لسوريا موقعها الاقتصادي في المنطقة وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية والاستقرار.

Leave a Comment
آخر الأخبار