قرار التراجع عن رفع رأس المال التأسيسي للشركات …مابين”الفضيلة الإدارية” والتساؤل عن “الحكمة الاقتصادية”

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية_ رشا عيسى: 

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في تاريخ بتاريخ 7 كانون الثاني الجاري قراراً يطوي القرار السابق رقم 70 لعام 2026 (الصادر في 5 كانون الثاني) والذي كان قد رفع الحد الأدنى لرأس المال التأسيسي للشركات (من 50 مليوناً إلى 250 مليون ليرة للشركات المحدودة المسؤولية، مع تعديلات على الرسوم المرتبطة بعمليات التأسيس.

وأكد الخبير في الدراسات الإستراتيجية والاقتصادية والإدارية الدكتور هشام خياط لـ “الحرية” أن هذا التراجع خلال يومين فقط يُعد في حدّ ذاته ظاهرة غير معتادة في إدارة السياسات الاقتصادية، ويثير تساؤلاً جوهرياً، حول ما الحكمة الاقتصادية من إصدار قرار بهذا الحجم ثم إلغائه بهذه السرعة؟.

أما الجانب الإيجابي، فكان الاستجابة السريعة لردود الفعل، حيث لا يمكن إنكار أن التراجع السريع يعكس درجة من المرونة والاستماع للنقد العام والمهني.

وخلال اليومين اللذين فصلا بين الإصدار والإلغاء، انتشرت انتقادات واسعة في أوساط رجال الأعمال، وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشباب الراغبين في إطلاق مشاريع، معتبرين أن الرفع الجديد لحواجز الدخول إلى السوق الرسمية يأتي في توقيت صعب للغاية بوجود اقتصاد يعاني من شح السيولة والمدخرات، وصعوبة الوصول إلى التمويل البنكي، وفي ظل مرحلة حساسة بعد سنوات طويلة من الصراع والعقوبات.

و وجد خياط أن الاستجابة السريعة لهذه الأصوات تُظهر أن صنّاع القرار قادرون على تصحيح المسار عندما يتبين أن الخطوة لا تلقى قبولاً شعبياً أو مهنياً، في زمن يُنظر فيه إلى الحكومات على أنها جامدة أو غير مستجيبة، يمكن اعتبار هذه المرونة ميزة إيجابية، وبيّن خياط أن الجانب السلبي يكون بالتكلفة الاقتصادية والمؤسساتية لـ”التجربة والخطأ”.

غياب الدراسة المسبقة الجادة

أوضح الخبير خياط أنّ قراراً بهذا الوزن (يؤثر على آلاف الشركات الحالية والمحتملة) لا يُتخذ عادةً دون تقييم تأثير اقتصادي (Regulatory Impact Assessment) شامل، يشمل استطلاع آراء الغرف التجارية والصناعية، ورواد الأعمال، والخبراء، و تحليلاً كمياً لعدد الشركات المتوقع أن تُمنع من التأسيس أو تُدفع للعمل غير الرسمي.

إهدار الثقة والمصداقية

إصدار قرار ثم إلغاؤه في غضون 48 ساعة يولّد شعوراً بالارتباك لدى المستثمرين المحليين والخارجيين على حدّ سواء. في مرحلة يُفترض أن تكون فيها سوريا تبني جسور ثقة مع رؤوس الأموال العربية والدولية (خاصة بعد تطورات رفع العقوبات الدولية)، فإن مثل هذا التذبذب يُرسل إشارة سلبية وفقاً لخياط.

التكلفة الإدارية والمالية

أشار الخياط إلى أن العديد من الموظفين والمحامين والمستشارين والشركات خلال اليومين الفاصلين بين القرارين أجروا دراسة للقرار الجديد، وتحضير أوراق، و حساب تكاليف إضافية محتملة، كل هذا الجهد ذهب سدى، وهو تكلفة غير مرئية لكنها حقيقية في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد.

التراجع فضيلة

التراجع عن قرار خاطئ هو بالتأكيد أفضل من التمسك به كما يؤكد خياط، لكن الحكمة الاقتصادية الحقيقية تكمن في تجنب إصدار القرارات المتسرعة من الأساس خاصة في ظل الوضع الحالي يُفترض أن تكون كل خطوة محسوبة لجذب الاستثمار، وتحفيز ريادة الأعمال، وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

ورأى خياط أنه كان من الأولى إجراء حوار واسع قبل إصدار أي تعديل كبير على قوانين الشركات، واعتماد سياسة تدريجية (مثلاً رفع محدود مع فترة انتقالية طويلة) أو– الأفضل– التوجه نحو تخفيض الحواجز بدلاً من رفعها في هذه المرحلة الحرجة.

وحذّر خياط من أن السرعة في الإلغاء لا تعوّض غياب الدراسة والتشاور قبل الإصدار، حيث إن سوريا اليوم أحوج ما تكون إلى سياسات مدروسة ومستقرة نسبياً.

Leave a Comment
آخر الأخبار