الحرية_ رنا الحمدان:
نسجت المهندسة سامية كنعان حكاية نجاح مميزة، من قلب قرية عورو، جمعت فيها بين العلم والشغف ، لتصبح اليوم واحدة من الأسماء البارزة في مجال تقطير النباتات الطبية والعطرية وإنتاج الزيوت والمياه العطرية في سوريا، معتمدة على خيرات الطبيعة المحلية وما تختزنه من كنوز نباتية.
سامية كنعان، الموظفة في مصلحة زراعة السودا ، لم يكن مشروعها وليد الصدفة، بل نتيجة رحلة تعلم طويلة بدأت من دورات تدريبية متخصصة في تقطير النباتات الطبية والعطرية ضمن دائرة التنمية الريفية بزراعة طرطوس ، وتؤكد أن أول دورة شاركت فيها شكلت الشرارة الأولى لهذا الطريق، حيث وجدت في التقطير فناً وعلماً في آنٍ معاً، ما دفعها إلى الاستمرار والترشح لكل دورة لاحقة، لتراكم خبرة واسعة شملت أنواع النباتات، فوائدها، مضارها، وأدق تفاصيل طرق تقطيرها.
ومع ازدياد المعرفة، انتقل الشغف إلى التطبيق العملي، فبدأت كنعان من منزلها وبإمكانات بسيطة، لتخطو بثبات نحو مشروع متكامل. وتعتمد في عملها على نباتات طبيعية متوافرة في البيئة المحلية مثل الزعتر، الوردة الشامية، القراص، إكليل الجبل وغيرها، مع حرص كبير على أن تكون المواد المستخدمة عضوية ونظيفة وخالية من الأسمدة الكيميائية، وهو ما يشكل أحد التحديات الأساسية في عملها.
ولا تكتفي كنعان بالإنتاج فقط، بل تلعب دوراً مجتمعياً مهماً من خلال تشجيع النساء الريفيات على زراعة النباتات الطبية والعطرية، ولا سيما الوردة الشامية والزعتر وإكليل الجبل، مؤكدة أن أفضل وقت للتقطير هو مرحلة الإزهار الكامل، حيث تكون الزيوت العطرية في أعلى تركيز لها داخل الأزهار.
وفي شرحها لآلية العمل، تضرب مثالاً بتقطير إكليل الجبل، حيث يتم التخلص من الأغصان واستخدام الأوراق فقط، بمعدل أربعة ليترات من الماء لكل كيلوغرام من الأوراق داخل جهاز التقطير ، وتستمر العملية لنحو أربع ساعات على نار هادئة بعد الغليان، مع الحرص على ألا تتجاوز درجة الحرارة أعلى إناء التقطير 40 درجة مئوية، حفاظاً على جودة الزيت العطري وفعاليته.
اليوم، لم تعد تجربة سامية كنعان مجرد مشروع منزلي، بل تحولت إلى اسم قوي ومنافس على مستوى سوريا، حيث أُجريت معها عشرات المقابلات التلفزيونية، وشاركت في العديد من المعارض المحلية والوطنية، من بينها معرض دمشق الدولي ومعرض الزهور، إلى جانب تكريمات متعدّدة وعروض تعاون من اتحاد المصدّرين العرب.
قصة سامية كنعان مثال حيّ على أن الاستثمار في المعرفة والموارد المحلية قادر على صناعة نجاح حقيقي، وعلى أن المشاريع الصغيرة، عندما تبنى على الشغف والالتزام والجودة، يمكن أن تصل إلى منصات المنافسة الواسعة وتفتح آفاقاً اقتصادية وتنموية واعدة.