الحرّية – عثمان الخلف:
صدرت الترجمة الفرنسية لرواية (قصر الطين) للكاتب السوري عبد الناصر العايد، التي كانت قد نالت جائزة دمشق عاصمة الثقافة العربية للكتابة الجديدة عام 2008.
الترجمة الفرنسية التي أنجزها الكاتب بنفسه تمثل حواراً ثقافياً حقيقياً، إنها ليست مجرد كلمات مترجمة بل هي نقل لتجربة إنسانية عميقة من شرق عريق إلى غرب معاصر، في وقت نحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذه الجسور.
هذا الإصدار ليس مجرد نقل للنص من لغة إلى أخرى بل هو جسر شخصي شيده الكاتب بين ضفاف الفرات ونهر السين، حاملاً معه أسئلة قديمة – جديدة عن السلطة والمقدس والهوية.
حفر خالد بقضايا إنسانية..
تدور أحداث “قصر الطين” في قلب واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية، مملكة ماري الواقعة على نهر الفرات، قبل حوالي أربعة آلاف عام، لكننا لا نقرأ رواية تاريخية جافة. فالعايد يستخدم هذا الإطار البعيد ليحفر في قضايا إنسانية خالدة تشغلنا اليوم كما شغلت أسلافنا، وتبدأ الحكاية مع وصول شابين غامضين، آشار- إيل ومجدي – حدو، إلى قصر الملك زمري ليم الطيني الضخم مدعيين أنهما أبناء الإله، هذا الادعاء البسيط يصبح الشرارة التي تطلق صراعاً هائلاً على السلطة والشرعية.
ومن خلال عيون هؤلاء الشخصيات نعيش صراعاً ثلاثياً: صراع الدين مع السياسة: كيف تستخدم العقيدة لتثبيت الحكم أو تقويضه. وصراع الفرد مع السلطة: كيف يبحث الإنسان العادي عن مساحة للحرية في ظل أنظمة مستبدة، إضافة إلى صراع الحقيقة مع الأسطورة: أين تنتهي الحاجة للإيمان وتبدأ حرفة صناعة الآلهة؟
وتتحرك الرواية بخفة بين المأساة والملهاة – المضحك المبكي والسخرية العميقة، فالمشاهد المأساوية تتحول إلى لوحات هزلية كاشفة، والمواقف اليومية تكشف عن زيف الأنظمة الكبيرة.. النهاية مأساوية كما كان مصير مملكة ماري الحقيقي، لكن الرواية تتركنا مع سؤال: هل كنا نشاهد ماضياً بعيداً أم مرآة عاكسة لواقعنا؟
“قصر الطين” ليست مجرد قصة عن زمن مضى.. صدورها بالفرنسية هو تأكيد على أن أسئلتها عالمية: كيف نتعامل مع السلطة؟ أين نجد مساحة للأمل في ظل الأنظمة القمعية؟ كيف نفرق بين الإيمان الحقيقي والأيديولوجيا المصنوعة؟
“قصر الطين” تدعونا لاكتشاف أن الصراعات حول السلطة والحرية والعقيدة لها جذور ضاربة في عمق تاريخنا الإنساني، وأن الفرات لا يزال يحمل في مياهه أسئلة تصلح لكل زمان ومكان.
عبدالناصر العايد في سطور …
ولد عبد الناصر العايد عام 1975 في مدينة دير الزور تلك المدينة التي تنام على تاريخ يمتد لآلاف السنين.
وقد اختلطت مسيرته بين مهن متناقضة: فمن حقل القوى العسكرية الجوية إلى الكاتب الحالم الذي فاز بجائزة وزارة الثقافة السورية للكتّاب الشباب (جائزة حنا مينا) عام 2004 عن مجموعته القصصية (الاحتراب).
إلى الصحفي الثائر، الذي أسس صحيفة (جسر) لمواكبة أحداث سوريا وكان من المشاركين المبكرين في الحراك الثوري عام 2011. وصولاً إلى الباحث المهاجر، يعيش حالياً في باريس حيث يواصل الكتابة والبحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية.
في عام 2011 واجه العايد أصعب فصول سيرته، اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية السابقة، بسبب مواقفه قبل أن يفرج عنه ويغادر البلاد.
هذا وسبق للكاتب أن أصدر روايات أخرى: (سيد الهاوما) و(تنسيقية بولييه) وعدة مجموعات قصصية.