قصص تشيخوف الأولى.. الوجه الأقل روعة والأكثر إمتاعاً للأديب الروسي العالمي

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

ترجمة: حنان علي:

لم يكد أنطون تشيخوف يتربع على عرش أساطين الأدب، حتى يمنحه جورج سوندرز لقب “أعظم كاتب قصة قصيرة في التاريخ”. وبينما تستلهم المسارح العالمية من روائعه المسرحية الخالدة، يطل علينا وجه آخر لم نكن نعرفه عن المبدع الروسي، يفتح النافذة على الجانب الخفي من عبقريته، ويستكشف روحه الساخرة عبر أضخم ترجمة إنجليزية لقصص الكاتب الأولى، تزيح النقاب عن مخزون الدعابة الساذجة والعبث اللفظي التجريبي.

ففي كتاب “أنطون تشيخوف: القصص الأولى”، يطّلع القارئ الإنجليزي لأول مرة على كنز من النصوص المكتوبة بين 1880-1882، تتراوح بين القصص والقصص القصيرة و”التهكم”، التي تكشف عن شاب في مقتبل العمر، غارق بالمرح والتجريب.

ترجمات لقصصٍ جديدة تكشف الجانب المرح لأنطون تشيخوف.. “أراد كسب ‘كوبيكات’ لإعالة أسرته”

وتعود أسباب تأخر ترجمتها للإنجليزية إلى وجهة نظر الناشرين التجارية، على أنها لا تليق بهيبة صاحب “بستان الكرز”، لفرط سذاجتها الهزلية. غير أن المحررة روزاموند بارتليت تكشف أن الفريق كان يغرق في “نوبات ضحك متواصلة” أثناء العمل على ترجمتها.

إنقاذٌ من طي النسيان

أدارت بارتليت – وهي مؤرخة مرموقة لسير تشيخوف وتولستوي – هذا المشروع بالتعاون مع المخرجة الروسية إيلينا ميخائيلوفسكا، تحت مظلة “مؤسسة أنطون تشيخوف” الخيرية. وبعد أن أحبط ضم القرم عام 2014 جهود الحفاظ على بيت تشيخوف في يالطا، انصرف القائمون على المؤسسة إلى فكرة “المثالية المجنونة” بتجنيد 80 مترجماً متطوعاً من مختلف أنحاء العالم لإنقاذ هذه النصوص من طي النسيان.

النصوص، التي خطها قلم تشيخوف الشاب بين العشرين والثانية والعشرين، تتناثر بين سطورها الألاعيب اللفظية التجريبية والأسماء العبثية التي تبلغ ذروتها في شخصية “الملازم ثاني زيمبومبونتشيكوف” – وهو اسم لا يحمل معنى لكن نطقه وحده يبعث على البهجة – ومحطات قطارات تحمل أسماءً مثل “انطلق هارباً” و”مدينة المحتالين”.

وتوضح بارتليت أن هذه القصص الـ 58، التي وقعها تشيخوف بأسماء مستعارة متعددة، ظلت طي الخفاء حتى عن الدارسين.

ففي روسيا، تطغى شهرة تشيخوف القاص على شهرة تشيخوف المسرحي، وتذكرنا هذه النصوص بأن منابعه الإبداعية نبتت في تربة فكاهية. وتضيف: “ليست كلها مضحكة بالضرورة، لكن الكثير منها يتسم بالطابع الترفيهي المحض، كما هو متوقع من طالب طب في العشرين من عمره، لم يكن يبتغي سوى كسب بضعة ‘كوبيكات’ من خلال الكتابة في المجلات الهزلية.”

في مطلع شبابه، شكك تشيخوف نفسه في بقاء أي من قصصه “في ذاكرة الناس لعقد من الزمن”.

الكتابة لكسب لقمة العيش

لم يفارق شظف الحياة هذا الرجل حتى بعد هجرته مع عائلته إلى موسكو، حيث انكب على دراسة الطب. ليجد نفسه مرغماً على خوض غمار الكتابة القصصية سعياً لتوفير لقمة العيش لأسرته ومن إحساسه بمسؤولية عميقة تجاه انتشال عائلته من براثن الفقر. كانت الكتابة مجرد وسيلة لكسب الرزق، إلا أنه حتى بعد تخرجه، استمر بالجمع بين مهنتي الطب والكتابة وفيما بعد، اشتهر عن تشيخوف تشبيهه الطب بـ”الزوجة الشرعية” والكتابة بـ”العشيقة” التي يلوذ بها كلما ضاق صدره.

تواضع الكاتب

ولم يكن تشيخوف ليرضى عن إنتاجه الأدبي قط، سواء في القصة أو المسرح. فحتى أشهر أعماله مثل “السيدة مع الكلب” و”الحبيبة” و”العنبر 6″ كان يحيطها بالتواضع والتشكيك. وبعد الفشل الذريع لمسرحية “النورس” عام 1896، همّ بالتخلي عن الكتابة المسرحية إلى الأبد، قبل أن يحولها ستانيسلافسكي إلى تحفة خالدة بعد عامين. وفي رسالة إلى ناشره عام 1888، عبر عن ارتيابه ببقاء أي من قصصه في ذاكرة الأدب. لكن هذا الشك لم يثنِه عن الإبداع: ففي عام تخرجه وحده (1884)، نشر أكثر من 100 قصة، ليصل رصيده الإجمالي عند وفاته عام 1904 إلى أكثر من 500 قصة.

*صدر كتاب “أنطون تشيخوف: القصص الأولى: قصص، روايات قصيرة، مساخر 1880-1882” عن دار “تشيري أوركارد”، بتحرير روزاموند بارتليت وإيلينا ميخائيلوفسكا.

المقال بقلم: فيف غروسكوب

الغارديان

Leave a Comment
آخر الأخبار