الحرية – نهلة أبو تك:
مع دخول سوريا عام 2026، بدأت البلاد مرحلة مفصلية تحمل عنوان الانفتاح الاقتصادي التدريجي بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الانكماش والعزلة. لم يعد السؤال اليوم يقتصر على فتح الأسواق أو جذب الاستثمارات، بل بات يتمحور حول قدرة اقتصاد هش على استيعاب صدمات التحول، في ظل مؤشرات نقدية إيجابية من جهة، وبنية إنتاجية ما تزال ضعيفة من جهة أخرى.
عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، قال في تصريح خاص لـ«الحرية»، إن الانفتاح الاقتصادي في سوريا يمثل فرصة حقيقية لتحريك عجلة الاقتصاد، لكنه مشروط بإصلاح مؤسسي عميق يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، ويضمن ألا تتحول هذه الفرصة إلى صدمة اجتماعية أو اقتصادية.
مؤشرات نقدية إيجابية.. وإنتاج محلي محدود
يشير الرفاعي إلى أن الاقتصاد السوري أظهر خلال الفترة الماضية بوادر استقرار مالي نسبي مقارنة بسنوات سابقة، نتيجة سياسات ترشيد الإنفاق وتعزيز الانضباط النقدي، إلى جانب خطوات تهدف إلى تحسين الاندماج في النظام المالي العالمي وتعزيز ثقة المستثمرين بالليرة السورية.
لكن هذه التحسنات، وفقاً له، لا تعكس بالضرورة قدرة إنتاجية راسخة.
فالاقتصاد ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات المالية والمساعدات، في وقت تبقى فيه البنية الصناعية والزراعية بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة. وأي زيادة في الطلب المحلي قد تقود إلى ارتفاع الواردات بدلاً من توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، ما يضع ضغوطاً إضافية على الموارد بالقطع الأجنبي ويحد من الاستفادة الفعلية من الانفتاح.
من دولة مالكة إلى دولة منظِّمة
يرى الرفاعي أن التحدي الأهم في مسار الانفتاح يتمثل في إعادة تعريف دور الدولة، والانتقال من نموذج الدولة المالكة والمشغلة إلى الدولة المنظمة والمراقبة. ويتطلب ذلك بيئة قانونية مستقرة، وقضاءً مستقلاً، وشفافية في تطبيق القوانين، بما يضمن حماية حقوق المستثمرين وتعزيز الثقة طويلة الأمد.
ويؤكد أن وضوح القواعد واستقرارها عنصران أساسيان لأي استثمار جاد، إذ إن تعدد مراكز القرار وثقل الإجراءات الإدارية قد يحدان من قدرة المستثمرين على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى.

البنية الإنتاجية والطلب الداخلي
يشدد الرفاعي على أن ضعف البنية الإنتاجية ومحدودية القوة الشرائية يشكلان تحدياً حقيقياً أمام نجاح السوق المفتوحة. فالبنية التحتية المتضررة، وتراجع القطاعات الصناعية والزراعية، ونقص العمالة المؤهلة، كلها عوامل تحد من قدرة الاقتصاد المحلي على تلبية الطلب أو المنافسة خارجياً.
وفي ظل معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة وضعف القوة الشرائية، يصبح السوق الداخلي أقل جذباً للاستثمارات الصناعية الكبرى، ما يرفع احتمال نشوء اقتصاد مزدوج: قطاع حديث محدود يرتبط بالتدفقات الاستثمارية الجديدة، وقطاع تقليدي يعاني الركود، بما قد يوسع الفجوات الاجتماعية إن لم تُدار المرحلة بحذر.
فرص الاستثمار… وإدارة الاختبار
رغم التحديات، يؤكد الرفاعي أن الانفتاح يحمل فرصاً واعدة إذا أُدير بعناية. فالموقع الجغرافي لسوريا يمنحها ميزة استراتيجية كحلقة وصل بين الأسواق الإقليمية، كما أن انخفاض تكاليف الأصول والعمالة قد يشكل عامل جذب للمستثمرين الباحثين عن فرص دخول بتكاليف أقل.
وتبرز قطاعات الزراعة، والصناعات الغذائية، والطاقة، والصحة، والتعليم، كمساحات قابلة للنمو إذا ما توفرت بيئة تنظيمية مستقرة ورؤية واضحة للأولويات الوطنية.
إلا أن نجاح هذه المرحلة، بحسب الرفاعي، مرهون بثلاثة اختبارات أساسية: بناء الثقة عبر تطبيق القوانين ومكافحة الفساد، توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية وربطها بالاقتصاد المحلي، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية يمنع تركز الثروة وتفاقم الفجوات الاقتصادية.
أدوات التحريك الاقتصادي
ويرى الرفاعي أن التحويلات المالية، والتمويل التجاري، وتنشيط حركة التجارة، تمثل أدوات محورية في تحريك الاقتصاد خلال المرحلة الانتقالية. فزيادة الدخل المتاح للأسر تعزز الطلب الاستهلاكي، فيما يسهم تخفيف قيود التمويل في دعم استيراد المعدات والمواد اللازمة لإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.
كما أن تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية يمكن أن يعزز موقع سوريا كمركز عبور إقليمي، ما ينعكس إيجاباً على قطاعات النقل والخدمات المرتبطة بها، شرط أن يترافق ذلك مع سياسات إنتاجية واضحة لا تكتفي بدور العبور فقط.
سياسات لضمان الاستدامة
يوصي الرفاعي بتبني مقاربة متوازنة تجمع بين الانفتاح والحماية المدروسة، عبر تعزيز الحوكمة والشفافية، وربط الحوافز الاستثمارية بالأثر التنموي الحقيقي، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة.
كما يؤكد أهمية وجود شبكات أمان اجتماعي فعالة تضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة خلال مرحلة التحول، بما يمنع الاحتقان الاجتماعي ويحافظ على الاستقرار الضروري لأي إصلاح اقتصادي.
اختبار الدولة قبل السوق
في المحصلة، يؤكد الرفاعي، أن عام 2026 يمثل اختباراً لقدرة الدولة على إدارة التحول الاقتصادي أكثر مما هو اختبار للسوق نفسها. فالانفتاح ليس غاية بحد ذاته، بل أداة ينبغي توظيفها لتعزيز الإنتاج وخلق فرص العمل وتحقيق تنمية أكثر توازناً.
فالتحرير الحقيقي يبدأ بإصلاح الأساس المؤسسي الذي يقف عليه السوق، قبل أي اندفاع نحو تحريره بالكامل.