مدرسة الشيخ بدر نموذجاً.. الحرف المهنية الصناعية جسر نحو سوق العمل ومحرك للتنمية 

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – سمر رقية :

تبرز أهمية الحرف المهنية في المرحلة الثانوية، في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة ، ومتطلبات سوق العمل والبحث المستمر عن سبل لسد الفجوة بين مخرجات التعليم، كمسار حيوي لتمكين الشباب وتأهيلهم لمواجهة متطلبات العصر.

مفاتيح المستقبل

ولتطوير التعليم المهني في المحافظة، أكد مدير التربية في طرطوس مهند عبد الرحمن ل”الحرية” أن المديرية تسعى جاهدة لتعزيز هذا النوع من التعليم، مقدمةً نموذجاً – يحتذى به في ربط العملية التعليمية بالاحتياجات الفعلية للمجتمع – على سبيل المثال لا الحصر ثانوية الشيخ صالح العلي الصناعية في الشيخ بدر ، حيث تضم حالياً 700 طالب وطالبة، موزعين على ست حرف مهنية أساسية، هذه الحرف ليست مجرد برامج دراسية، بل هي مفاتيح تفتح أبواب المستقبل أمام خريجيها، وتساهم بشكل فعال في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة.

قاطرة النجاة الاقتصادية

وبين عبد الرحمن أن التعليم المهني اليوم يعتبر “قاطرة النجاة الاقتصادية” نظراً لقدرته على تحقيق عدة أهداف حيوية وأهمها ، الاستجابة الفورية لمتطلبات سوق العمل حيث يوفر التعليم المهني مخرجات بشرية جاهزة للإنتاج فور تخرجها، بعكس التعليم العام الذي يتطلب سنوات أطول للتخصص، وأيضاً الحد من البطالة فهذا التعليم المرن يحول الشباب من “طالبي وظائف حكومية” إلى “صناع فرص عمل” من خلال المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر ، والأهم دعم التنمية المستدامة يساهم في سد الفجوة بين التقنيين والمهندسين، مما يحقق توازناً في الهرم العمالي الضروري لأي نهضة صناعية.

تلبية حاجة السوق

وأشار عبد الرحمن إلى أن ثانوية الشيخ صالح العلي الصناعية في الشيخ بدر تتميز بتنوع الحرف المهنية التي تقدمها، ما يعكس فهماً عميقاً لاحتياجات سوق العمل المتغيرة، حيث يبلغ عدد الطلاب في تخصص تقنيات الحاسوب 155 طالباً، أما التقنيات الكهربائية فتستقطب 150 طالباً، بينما يشكل تخصص ميكانيك وكهرباء المركبات 160، و في مجال الصناعات التحويلية، يدرس 100 طالب ، وتستقطب حرفة خياطة الملابس 70 طالبة، و 65 طالباً حرفة التجارة.

رؤية مستقبلية

ويوضح عبد الرحمن تتجاوز أهداف الحرف المهنية مجرد اكتساب مهارة يدوية، لتشمل إعداد كوادر فنية مؤهلة قادرة على المساهمة بفعالية في عجلة الإنتاج والتنمية، فمثلاً تقنيات الحاسوب يهدف هذا التخصص إلى إعداد فنيين متخصصين في صيانة المكونات المادية والبرمجيات، وإدارة الشبكات، والتعامل مع تقنيات التحول الرقم ، في ظل التوجه العالمي نحو “الأتمتة”، يحتاج كل معمل، مدرسة، أو مؤسسة تجارية إلى فني حاسوب مقيم ، و يمتلك خريجو هذا التخصص فرصة ذهبية للعمل الحر أو تأسيس مراكز صيانة خاصة، ما يسد ثغرة تقنية كبيرة في المجتمع المحلي.

وكذلك التقنيات الكهربائية ، حيث يُمكّن هذا التخصص الطالب من تصميم وتنفيذ التمديدات الكهربائية المنزلية والصناعية، وصيانة المحركات، وفهم لوحات التحكم والتشغيل الآلي ، باعتبار الكهرباء عصب الصناعة والبناء، ومع التوسع في استخدام أنظمة الطاقة الشمسية، أصبح خريج هذه الحرفة هو الأكثر طلباً لتركيب وصيانة هذه الأنظمة، بالإضافة إلى حاجة المنشآت السياحية والسكنية الدائمة لخبراتهم.

أما حرفة ميكانيك وكهرباء المركبات ، يهدف هذا التخصص إلى تدريب الطلاب على تشخيص أعطال السيارات الحديثة باستخدام الحاسوب، وإصلاح المحركات، وأنظمة التعليق، والدوائر الكهربائية المعقدة في العربات ، ومع تطور تكنولوجيا السيارات، لم يعد الميكانيكي التقليدي كافياً ، فالخريج الأكاديمي يمتلك ميزة تنافسية للعمل في مراكز الصيانة المتطورة (الوكالات) التي تعتمد على الدقة والعلم وليس التجربة والخطأ.

وكذلك حرفة لحام وتشكيل المعادن، حيث يتقن الطلاب في هذا التخصص فنون اللحام بأنواعه المختلفة (الأرغون، الكهرباء، CO2) وتشكيل الهياكل المعدنية الثقيلة والخفيفة وفق المخططات الهندسية، وهذه المهنة هي “العمود الفقري” لإعادة الإعمار، والخريجون مطلوبون بقوة في بناء الهناجر الصناعية، وتصنيع الأثاث المعدني، وورش التشكيل الفني، وهي مهنة ذات دخل مادي مرتفع جداً نظراً لندرة المحترفين الأكاديميين فيها.

وتعلم حرفة خياطة الملابس ، فن التصميم، والتعامل مع آلات الخياطة والقص الصناعية الحديثة، وإدارة خطوط الإنتاج في المشاغل. تساهم هذه الحرفة في دعم الصناعة الوطنية والنسيجية، وتتيح للخريج (أو الخريجة) بدء مشروع صغير من المنزل.

وتبقى حرفة التجارة مهمة لأنها تزود الطالب بمهارات المحاسبة المالية، السكرتاريا التنفيذية، وإدارة المخازن، وفنون التسويق والمراسلات التجارية، ولا يمكن لأي من المهن السابقة أن تنجح دون “إدارة تجارية” صحيحة ، فالخريج التجاري هو العقل المدبر للمشاريع، وهو مطلوب في البنوك، وشركات التأمين، والمحلات التجارية الكبرى لإدارة الحسابات وتنظيم العمل الإداري.

التعليم المزدوج

ويشير عبد الرحمن لنجاح هذا النمط التعليمي وضمان وصوله إلى مستويات عالمية، يجب التركيز على عدة محاور أساسية منها، نظام التعليم المزدوج وهو الربط بين الدراسة النظرية في المدرسة والتطبيق العملي في المعامل والورش الخارجية، من خلال الشراكة الفعالة مع القطاع الخاص، وتحديث المناهج والوسائل ، و إدخال تكنولوجيا “الذكاء الاصطناعي” في المناهج، وتزويد المدارس بمعدات حديثة تواكب ما هو موجود في السوق ، والتوجيه المهني المبكر كالقيام بحملات توعية لطلاب المرحلة الإعدادية لتغيير النظرة المجتمعية للتعليم المهني، وإظهاره كمسار للمبدعين والمتميزين وليس “للمتعثرين دراسياً”، ولا ننسى الحاضنات الإنتاجية أي تحويل المدارس المهنية إلى مراكز إنتاج حقيقية تبيع خدماتها للمجتمع، ما يمنح الطالب ثقة بنفسه ودخلاً مادياً أثناء الدراسة.

استثمار استراتيجي

ويختم عبد الرحمن حديثه بالقول : إن الاهتمام بالحرف المهنية في المرحلة الثانوية، كما هو الحال في مدرسة الشيخ صالح العلي، ليس مجرد خيار تعليمي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الشباب والمجتمع، من خلال توفير تعليم مهني نوعي، وتحديث مستمر للمناهج والتقنيات، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، يمكننا بناء جيل قادر على تلبية احتياجات سوق العمل، والمساهمة بفعالية في تحقيق التنمية المستدامة، وفتح آفاق جديدة للابتكار والإبداع في محافظة طرطوس وسوريا ككل، وتعتبر هذه الحرف هي اللبنات الأساسية لبناء اقتصاد قوي ومتين، يرتكز على الكفاءة والإنتاجية.

Leave a Comment
آخر الأخبار