الحرية – مركزان الخليل:
مع دخول سوريا إلى مرحلة ما بعد التحرير في كانون الأول 2024، تلوح في الأفق فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوري من خلال استثمار الإمكانيات الداخلية والخارجية، إلا أن الطريق نحو التعافي يتطلب التخطيط الاستراتيجي وتجاوز التحديات العميقة التي خلفتها عقود من الإدارة الريعية والاقتصاد السلطوي، وفي هذا اللقاء يستعرض الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري في 2026، ويطرح سيناريوهات للتعافي والنمو حتى عام 2035.
تحديات وفرص
دخل الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد 2024 وهو يعاني من تدهور حاد في الناتج المحلي الإجمالي، تراجع كبير في قيمة الليرة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والسياسات الاقتصادية في العقود الماضية أسهمت في تفشي فساد واسع وأزمة مالية خانقة، إضافة إلى فقدان القدرة الإنتاجية في معظم القطاعات الاقتصادية الحيوية.
جملة من التحديات
جملة من التحديات التي حددت خلال العام الحالي أبرزها التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة: رغم بعض التحسن النسبي، تبقى الأسعار مرتفعة بشكل غير متناسب مع الأجور، ما يجعل تحسين مستوى المعيشة أمراً صعباً.
مستقبل الاقتصاد السوري: على الرغم من تحسن الليرة السورية في عام 2025، يبقى استقرارها في خطر نظراً للاعتماد الكبير على التحويلات المالية والصادرات.
إلى جانب العقوبات والعزلة المالية: فرغم إلغاء بعض العقوبات وتفعيل نظام “سويفت”، فإن الاقتصاد السوري يحتاج إلى وقت طويل للتعافي الكامل من آثار العقوبات.

نقص البنية التحتية
وهنا الجانب الأهم في هذه التحديات والتي حددها الخبير “عياش” يكمن في تضرر قطاع الطاقة بشكل كبير ما يزيد من تكاليف الإنتاج الصناعي. كما أن البنية التحتية العامة تحتاج إلى تجديد شامل.
وأيضاً البطالة وهجرة الكفاءات: تظل البطالة تمثل التحدي الأكبر، خاصة مع استمرار هجرة الكفاءات إلى الخارج، ما يشكل عائقًا أمام استعادة الإنتاجية الاقتصادية.
الطريق نحو التعافي الاقتصادي يتطلب تخطيطاً استراتيجياً وتجاوز التحديات العميقة
فرص حتى 2035
ويرى ” عياش” أنه هناك الكثير من الفرص والآفاق المفتوحة أمام تعاف كبير للاقتصاد السوري مستقبلاً، وخاصة بعد إلغاء العقوبات والفرص الاستثمارية التي فتحت مع رفع العقوبات تدريجياً، حيث يمكن لسوريا من خلالها جذب الاستثمارات الخارجية، وتحقيق شراكات اقتصادية استراتيجية.
وهناك الموارد الطبيعية والطاقات البشرية، حيث تعد الموارد الطبيعية السورية من الزراعة والطاقة المتجددة أحد الأصول التي لم تستغل بالكامل، بينما يحمل السوريون في الخارج خبرات كبيرة يمكن الاستفادة منها.
أيضاً الفرص اللوجستية والاستثمار الإقليمي، فسوريا تقع في موقع استراتيجي يمكنها من أن تصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا بفضل تحديث البنية التحتية.
سيناريوهات المستقبل
الخبير الاقتصادي “عياش” وضع عدة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد السوري حتى نهاية العام المذكور:
الأول: السيناريو المتفائل (المرحلة الانتقالية المستقرة): إذا تم إنجاز العدالة الانتقالية بنجاح، واتفق السوريون على مسار موحد، يمكن للبلاد أن تتعافى بسرعة. سيساعد في ذلك تطور العلاقات مع المانحين الدوليين ورفع العقوبات.
الثاني: السيناريو الأقل تفاؤلاً (عدم الاستقرار طويل الأمد): إذا لم يتم التوصل إلى توافق سياسي، قد يستمر الاقتصاد في حالة من الركود الجزئي والتضخم، ما يؤدي إلى بطء تعافي القطاعات الاقتصادية.
الثالث : السيناريو الأسوأ (استمرار التفكك والصراع): في حالة فشل العملية السياسية، قد ينحدر الاقتصاد إلى مزيد من الاضطرابات والصراعات المسلحة التي ستؤثر على الاقتصاد الوطني.
توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي
حسب رأي الخبير ” عياش” من المتوقع أن يشهد الاقتصاد السوري نمواً سنوياً بين 13% و17% خلال الفترة من 2026 إلى 2031، وهو ما سيمكنه من استعادة جزء كبير من حجم الناتج المحلي الإجمالي الذي فقدته الحرب، خلال المرحلة المقبلة، سيتعين على الاقتصاد السوري تحقيق نمو مستدام من 7.5% سنويًا للوصول إلى مرحلة التعافي التام بحلول عام 2036.
التوجهات المستقبلية لقطاع الخدمات
والبنية المطلوبة لاستكمال عملية التعافي تكمن في قطاع الخدمات حيث من المرجح أن يشهد قطاع الخدمات ازدهارًا كبيرًا بحلول 2035، مع التركيز على:
التكنولوجيا المالية: بما في ذلك الخدمات المصرفية الحديثة، والتكنولوجيا السحابية.
والتعليم والرعاية الصحية: تزايد الاستثمارات في التعليم العالي والخدمات الصحية المتخصصة.
إلى جانب الاهتمام بالزراعة والصناعة: تطوير الزراعة التعاقدية والصناعات الموجهة للتصدير.
النتائج المتوقعة للتعافي:
وهنا توقع ” عياش” بحلول عام 2035 أن تساهم سوريا بشكل أكبر في التكامل الاقتصادي الإقليمي عبر عدة أمور هامة منها :
- تعزيز دورها كمركز لوجستي متكامل يربط بين الأسواق الإقليمية والدولية.
- تحقيق انخفاض ملحوظ في معدلات الفقر وزيادة كبيرة في فرص العمل.
- جذب استثمارات ضخمة تتجاوز 50 مليار دولار، وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام.
خلاصة القول
لا يمكن ضمان أن عام 2026 سيشهد نهاية للأزمة الاقتصادية في سوريا، فإن الخطوات التي ستُتخذ نحو استقرار سياسي واقتصادي، بالإضافة إلى الاستفادة من الفرص الجديدة، قد تُمكّن سوريا من البدء في مسار تدريجي نحو التعافي الكامل بحلول عام 2035. ينبغي أن يكون الانفتاح الاقتصادي والاستثمار في البنية التحتية والتقنيات الحديثة من أولويات أي سياسة اقتصادية في المرحلة المقبلة.
مجموعة من التوصيات
وفي نهاية اللقاء حدد الخبير “عياش” مجموعة توصيات ينبغي الاهتمام بها من الحكومة والجهات المعنية في مقدمتها:
تطوير هوية اقتصادية واضحة مع الشفافية في الحوكمة، الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة المتجددة والبنية التحتية، وضع برامج لاستعادة الكفاءات السورية المهاجرة وتحفيز الشباب للعمل في الداخل، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتحقيق التكامل الاقتصادي الشامل.