مستقبل الدولة بين المركزية والتكامل.. آفاق إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي في سوريا

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:
مع تدفق البيانات وتسارع الخوارزميات، لم تعد مسألة إنشاء وزارة متخصصة بالذكاء الاصطناعي مجرد خيار تنظيمي، بل اختبار حقيقي لرؤية الدولة في إدارة مستقبلها، بين رغبة في التحديث وخشية من البيروقراطية، وبين التطلع إلى التكامل والحذر من المركزية المفرطة، تظل المعادلة شائكة: كيف نبني مؤسسة قادرة على قيادة التحول الرقمي دون أن تتحول إلى عبء إضافي؟ السؤال يحضر بقوة اليوم على طاولة الحكومة، في ظل تجارب عربية وعالمية سبّاقة.

بين الضرورة المؤسسية وخطر البيروقراطية

في هذا السياق، يرى أمين عام الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي- فرع سوريا، الدكتور عمار دلول، أن جوهر المسألة لا يكمن في وجود الوزارة من عدمه، بل في الصلاحيات الممنوحة لها.
ويوضح في تصريح لـ”الحرية”، أن الخطر الحقيقي ليس في إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي، بل في إنشائها من دون صلاحيات حقيقية، محذراً من أن مجرد إضافة هيكل إداري جديد دون أدوار سيادية سيؤدي إلى تعقيد المشهد البيروقراطي بدلاً من تبسيطه.
لكنه يؤكد أن المعادلة تنقلب عندما تُصمم هذه الوزارة كجهة سيادية تضع المعايير الوطنية للبيانات وتملك سلطة إلزامية على التكامل بين الوزارات، حيث تتحول من عبء إداري إلى محرك كفاءة للدولة، ويشدد دلول على أن الحل ليس بزيادة الهياكل، بل بإعادة تعريف السلطة.
وبحسب ما أوضحه دلول لـ”الحرية”، فإن وزارة الذكاء الاصطناعي الناجحة هي تلك التي تعمل كجهة تنظيمية عابرة للقطاعات، مسؤولة عن ثلاثة محاور رئيسية وهي: حوكمة البيانات، توحيد المعايير التقنية، ومراقبة التكامل بين المؤسسات، أما بالنسبة لمشاركة البيانات الحساسة، فيؤكد بدوره على أن الأمر لا يتعلق بمشاركة مفتوحة، بل عبر إدارة سيادية لتدفق البيانات وفق سياسات وصول دقيقة ومنظمة.

الأمن السيبراني

وحول كيفية الموازنة بين الأمن السيبراني والانفتاح المعلوماتي، يحذر دلول من مغالطة شائعة، وهي الاعتقاد أن التكامل يعني مركزية كاملة للبيانات في مكان واحد، ويصف هذا النموذج بأنه خطير ويخلق نقطة فشل واحدة.
ويوضح دلول أن النموذج الصحيح يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين مركزية القرار ولا مركزية التخزين وتكامل آمن، وهنا يمكن للدولة أن تمتلك رؤية موحدة للبيانات، بينما تبقى البيانات نفسها موزعة ومحمية ضمن بيئات مختلفة، ويتم الربط بينها عبر طبقات تكامل مؤمنة.

دلول: النموذج الصحيح يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين مركزية القرار ولا مركزية التخزين والتكامل الآمن

صيغة فعالة لتحقيق التوازن

كما يقدّم دلول صيغة عملية لتحقيق هذا التوازن، مؤكداً أن الحل يكمن في: تصنيف البيانات حسب درجة حساسيتها، والتحكم بالوصول وفقاً للدور الوظيفي والسياق، كما يمكن استخدام بنية متعددة المراكز (Multi-layer architecture)، أيضاً عبر اعتماد مبدأ Zero Trust داخل الشبكات الحكومية، وهكذا، ووفق رؤية دلول، يمكن تحقيق ذكاء تحليلي موحد دون تعريض الدولة لانهيار رقمي شامل في حال اختراق نقطة واحدة.

حين لا يصلح الذكاء ما أفسده الواقع

هذا وبين دلول أنه قبل الخوارزميات وقبل أي قرار مدعوم بالذكاء الاصطناعي، تبقى مسألة جودة البيانات هي الأساس، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يُحسن الواقع بل يعكسه، وأن البيانات إذا كانت ضعيفة أو غير دقيقة، فإن النموذج سيعطي قرارات مضللة بشكل “ذكي”.

حزمة حلول

لذلك، يرى الدكتور أن التحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في نضج بيئة البيانات داخل الدولة، وهنا يضع حزمة من الحلول العملية لمواجهة هذا التحدي، و تشمل: فرض حوكمة صارمة لجودة البيانات داخل كل مؤسسة، واعتماد أكثر من مصدر للتحقق من المؤشر نفسه، والبدء بقطاعات ذات بيانات موثوقة قبل التوسع إلى قطاعات أخرى، وأخيراً إبقاء الإنسان ضمن حلقة اتخاذ القرار.
ويردف دلول: أنا لا أؤمن بقرار سيادي يُتخذ بواسطة خوارزمية فقط، بل بقرار بشري مدعوم بنماذج ذكية، مشيراً إلى أن الثقة لا تُبنى على الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل على المنظومة التي تُغذّيه عبر أربعة أركان: بيانات دقيقة، تدقيق مستمر، شفافية، ومساءلة.

خارطة المستفيدين من الخدمات الفورية

وحول خارطة المستفيدين، والأثر النوعي للذكاء الاصطناعي، أوضح دلول أن التوزيع يختلف بحسب الأفق الزمني، وأنه على المدى القريب، سيكون المستفيد الأكبر هو الوزارات الخدمية، مثل الصحة والتعليم والنقل والخدمات الاجتماعية، لأن تحسين جودة البيانات في هذه القطاعات ينعكس مباشرة على حياة المواطن، أما على المدى الاستراتيجي، فالتأثير الأعمق سيكون في وزارات الاقتصاد والمالية والمصارف المركزية وهيئات التخطيط والجهات الرقابية، وهنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تشغيلية إلى أداة استباقية، قادرة على كشف الهدر قبل وقوعه، والتنبؤ بالمخاطر الاقتصادية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
أما على الصعيد الإداري، يرى دلول أن التحول الأهم يتمثل في أن القوة لن تعود لمن يحتكر المعلومة، بل لمن يحوّل البيانات إلى قرار، وأن هذا التحول سيعيد توزيع النفوذ داخل الدولة لصالح المؤسسات الأكثر شفافية وتكاملاً وقدرة على التحليل.

عندما يعيد الذكاء تعريف الدولة

في ختام حديث دلول أشار إلى رؤية تتجاوز التفاصيل لتصل إلى جوهر التحول الذي ينتظر مفهوم الدولة نفسه، ويقول: إن الذكاء الاصطناعي لن يغير فقط طريقة عمل الحكومات، بل سيعيد تعريف مفهوم الدولة نفسها، من دولة تتفاعل مع الأزمات، إلى دولة تتوقعها وتمنعها قبل أن تحدث .
وبهذا المعنى، نرى أن مسألة إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي ليست مجرد خيار تنظيمي، بل اختبار لمدى استعداد الدولة لتبني نموذج جديد من الحوكمة، يقوم على التكامل الآمن، والبيانات الموثوقة، والقرار المدعوم بالذكاء دون التخلي عن المساءلة البشرية.

Leave a Comment
آخر الأخبار