مسرحية “وقت مستقطع”.. شركاء البوح والدم

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – لبنى شاكر:

تعود بنا مسرحية “وقت مُستقطع”، والتي عُرضت مُؤخراً على خشبة القباني، إلى تلك المقولة التي ترى في البوح للغرباء، متعة لا يشوبها قلق؛ فكل ما ستقوله سيذهب معهم حيث يذهبون، ولن يفهموا سوى ما تريد، سيقفون بجانبك، سيدعمونك، يضحكون ويبكون معك، لأنهم لا يعرفون أحداً من الحكاية كلها إلا أنت، ومن ثم فهم ليسوا معنيين بمحاكمتك أو تقييمك أو حتى وضعك وجهاً لوجه أمام أخطائك، على عكس المقربين الذي يعرفون كل شيء عنك، أو لِنقل يعرفون ما فعلت قبل أن تُقرر التملص من أفعالك أو توريتها خلف لقب أو اسم أو منصب.

المسرح لا ينبغي أن يكون إبرة مخدر تُهدئ النفوس بشكل مؤقت.. بل ينبغي أن يكون ساحة مواجهة للذات وتعريتها أمام الحقائق

بهذه المباشرة تفتتح المسرحية التي كتبها جوان جان وأخرجها سهيل عقلة، مَشهدها الأول، رجلان غريبان يجدان نفسيهما في لقاء يبدأ على سبيل التسلية في الحديقة، وسرعان ما يتخذ الحوار بينهما، منحىً آخر، أكثر صراحة ووضوحاً، وفي الاتجاه نفسه ذاته أكثر هجومية، مع كل اعتراف من أحدهما، ليظهر تباعاً مدى ما اقترفاه من بشاعة، تشعّبت وامتدت عبر سنوات، حتى إنهما لم يترددا في ارتكاب المزيد مع كل فرصة جديدة، بدءاً من المتاجرة بشرف العائلة وحرمان الأخوات من ميراثهن، وصولاً إلى الإساءة بشكلها الأعم، فيختبئان خلف الدين والمظهر والرتبة، ويُجيران كل ما أمكن لمصلحتهما، وعلى هذا فـ “الوقت المستقطع” في العنوان ربما يكون المساحة الفاصلة بين الشر والعقاب المُنتظَر، أو اللحظات المُقتطعة من الزمن للبوح بما تراكم من شرور.

صراع الشر مع الشر

المسرحية من تمثيل “تاج الدين ضيف الله، مادونا حنا، سهيل عقلة”، تنتمي إلى نوع الكوميديا السوداء، وتختلف عن النمط التقليدي “صراع الخير والشر” نحو “صراع الشر مع الشر”، بالاعتماد على أداء تمثيلي رمزي، حيث يشرع كل طرف في سرد انحطاطه الاخلاقي. وهنا يقول الكاتب جوان جان لـ “الحرية”: “صحيح أن هناك صراعاً دائماً بين الخير والشر لكن مساحة الشر في توسع دائم على حساب الخير، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التوسع على كل مناحي الحياة بما فيها الأعمال الفنية وطبيعة الصراعات فيها. المسرح لا ينبغي أن يكون إبرة مخدر تُهدئ النفوس بشكل مؤقت بل ينبغي أن يكون ساحة مواجهة للذات وتعريتها أمام الحقائق”.
أما عن اختيار المكان، فيُشير الكاتب إلى أن الحديقة هي المكان الذي من الممكن أن تتواجد فيه أكبر شريحة ممكنة من الناس، وجاء اختيارها كي يكون اللقاء بين شخصيات العمل انسيابياً وبعيداً عن الافتعال، وفي ضوء ما سبق، سألنا جان “هل تجد أن إضحاك الجمهور على مآسيهم وأخطائهم هو الوسيلة الأنجع حالياً لإيصال الرسائل الأخلاقية؟. وكانت إجابته: “دائماً كانت الكوميديا هي الأسلوب الأنجح في إيصال الفكرة في الأعمال الدرامية بأسلوب بعيد عن التعقيد، وفي معظم النصوص المسرحية التي كتبتها لجأت إليها إما بشكل كامل كما في “نور العيون” و”هوب هوب” و”حكاية المولود الجديد” أو بشكل جزئي كما في “آخر ليلة أول يوم” و”الطوفان” بهدف تعزيز فكرة النص ومساعدة المتلقي على التفاعل معه بشكل أفضل”.

عرضٌ مُوجّه للجميع

بدوره مخرج العمل والممثل فيه أيضاً سهيل عقلة، عاد إلى المحطات التي مرّ بها العرض سابقاً، حيث أخرجه أول مرة عام 2011 لكن تم إيقافه، ثم عُرِض عام 2017 لمدة ثلاثة أيام، إلى أن جاء عرضه الأخير. يُضيف لـ”الحرية:”ما جذبني للنص هو الجرأة التي يتمتع بها، فهو يعري نماذج مجتمعية موجودة في كل مكان وزمان. ويُقدّم أفكاراً ورسائل كثيرة، أبرزها هو التناقض؛ فنحن نرى نماذج في المجتمع تحترم قطعة الخبز إذا وجدتها في الطريق وتقبلها وتضعها جانباً، وبالمقابل تهدر (طبخة) كاملة في المنزل. هذا التناقض موجود بنسب متفاوتة، وكل شخص يُبرر لنفسه سلوكاً ويُنكر آخر، والشخصيات في العرض تمثل النسبة الأعلى من هذا التناقض والشر والفساد الذي نراه في كل مكان وزمان”.

الشخصيات في العرض تُمثل النسبة الأعلى من التناقض والشر والفساد الذي نراه في كل مكان وزمان..

في الحديث عن السينوغرافيا، بدءاً من الحديقة التي تبدو في المسرحية كـ “فخ”، يشرح عقلة: “اعتمدنا لوحة منقسمة لقسمين؛ بداية ونهاية، في البداية تظهر فتاة تعيش قصة حب مع رجل، ثم ينفتح الباب ويُسمع صوت صراخ وصفارات إنذار وننتقل إلى الحديقة، عبر لغط وغموض مقصودين حول هوية الفتاة، هل هي الحبيبة أم الجارة؟، لنجذب الجمهور لاستكشاف القصة. بعد ذلك تبدأ الأوراق بالتكشف وتجري عملية تعرية للشخصيتين اللتين لا تعرفان بعضهما في الأصل، ويبدأ أحدهما بالبوح بأخطاء ارتكبها على مدار ثلاثين عاماً، لنكتشف في النهاية أنهما شركاء في الدم وجريمة قتل تلك الأنثى التي لم يتمكنا من شرائها بالمال. وهنا تكمن الرمزية؛ فهذه الأنثى هي سوريا، وهذان الرجلان هما الدول التي حاولت اغتصابها، فرفضت وقررت الانتحار على أن تُغتصب”.

كذلك، استخدم عقلة كرسي الحديقة لعدة أغراض، فأحياناً تحوّل إلى ميزان للدلالة على الحق، ثم إلى أرجوحة (دويخة) ليرمز إلى التذبذب، وأن هؤلاء الأشخاص في حالة دوار وعدم استقرار، ولا يملكون توازناً أخلاقياً. وعلى حد تعبيره “المسرح مرآة الواقع، ووظيفته وضع اليد على الوجع والإشارة إلى الخطأ. هذا العرض موجه للجميع، للمثقف وغير المثقف، لأنه يعالج حالة الشر والفساد، أظن أن الجميع سيستمتع به”.

Leave a Comment
آخر الأخبار