الحرية- مها يوسف:
في خضم التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، تعود ممرات الطاقة والتجارة البرية إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، مدفوعة بإعادة تشكيل التحالفات وتزايد المنافسة على طرق الإمداد الاستراتيجية.
في هذا السياق، يبرز مشروع نقل الفيول من العراق إلى سوريا عبر معبر التنف _ الوليد وصولاً إلى مصفاة بانياس، ليس مجرد عملية لوجستية، بل كجزء من إعادة تموضع سوريا ضمن خريطة النقل والطاقة في المنطقة واستثمار موقعها الجغرافي لإعادة دورها الجيو-اقتصادي والجيوسياسي.
انطلاق ترانزيت الفيول
يشير الدكتور رياض الأشتر، أستاذ التجارة الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، إلى أن بدء عمليات ترانزيت الفيول يمثل خطوة مفصلية لإعادة تفعيل الممرات البرية الإقليمية. تكمن أهمية هذا المسار في كونه أقصر الطرق البرية وأكثرها مباشرة لربط العراق بالساحل السوري، ما يقلل من تكاليف النقل مقارنة بالمسارات البحرية أو غير المباشرة، ويتيح مرونة تشغيلية عالية، إذ يمكن تعديل الكميات المنقولة دون الاعتماد على بنى تحتية معقدة مثل الأنابيب في المرحلة الحالية.
أهمية الترانزيت عبر الأراضي السورية
يوضح الدكتور الأشتر أن تفعيل ممرات الترانزيت لا يقتصر على النقل التقليدي، بل يشكل ركيزة أساسية لإعادة بناء الدور الجيواقتصادي لسوريا.
هذه الممرات تمثل شرايين حيوية لربط الأسواق الإقليمية، وتسهم في تقليص تكاليف النقل وزمن الإمداد، ما يعزز كفاءة سلاسل التوريد. كما يفتح إعادة تشغيلها الباب أمام تطوير البنية التحتية المرتبطة بها، من طرق دولية ومراكز لوجستية وخدمات نقل، ما يشجع دخول رؤوس الأموال الجديدة في قطاع الخدمات اللوجستية والطاقة.
إعادة تموضع سوريا والآثار الاقتصادية
يشدد الدكتور الأشتر على أن مشروع نقل الفيول يعكس بداية إعادة تموضع سوريا كممر إقليمي حيوي يربط مصادر الطاقة في الشرق بأسواق الاستهلاك في الغرب، مما يعزز دورها الجيوسياسي ويحولها إلى حلقة وصل أساسية في منظومة الربط الإقليمي. اقتصاديًا، يوفر المشروع إيرادات مباشرة من رسوم العبور، ويدعم نشاط قطاعات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية، كما يحسن قطاع الطاقة المحلي من خلال تأمين إمدادات الفيول لمصفاة بانياس وزيادة إنتاج المشتقات النفطية، ما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويجذب استثمارات مستقبلية في البنية التحتية والطاقة.
التحديات المستقبلية
يشير الدكتور الأشتر إلى أن المشروع يواجه تحديات عدة، أبرزها الحاجة لتأهيل البنية التحتية، وضمان استقرار طرق الإمداد، وتأمين بيئة آمنة لعمليات النقل. كما يعتمد نجاح المشروع على استمرار التنسيق الإقليمي وقدرة الأطراف المعنية على إدارة التحديات السياسية والاقتصادية المرتبطة به.
وختم الدكتور الأشتر حديثه: تفعيل مشروع نقل الفيول بين العراق وسوريا أكثر من مجرد خطوة في قطاع الطاقة؛ إنه مؤشر على تحول أوسع لموقع سوريا ضمن منظومة الاقتصاد الإقليمي. ومع الحاجة المتزايدة إلى ممرات آمنة وفعالة للطاقة والتجارة، تظهر سوريا مجدداً كحلقة وصل استراتيجية بين الخليج وأوروبا، ما يمنحها فرصة لإعادة بناء دورها الاقتصادي وتعزيز حضورها الجيوسياسي.
الكلمات المفتاحية:
ترانزيت الفيول، الاقتصاد السوري، النقل الإقليمي، الطاقة في الشرق الأوسط