الحرية- سامي عيسى:
مرحلة انتقالية يمر بها الاقتصاد السوري، يعبر من خلالها مجموعة من المفاهيم والقرارات عمل بها لعقود من الزمن، لذلك خلال هذه المرحلة تحدث بعض الأخطاء، أو حتى صدور قرارات تثير الجدل بين الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية كما هو الحال في قرار وزارة الاقتصاد والصناعة القاضي بإلزام أصحاب الفعاليات التجارية والصناعية بتسجيل عدد محدد من العمال في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية كشرط لتجديد السجل التجاري، القرار الذي “أثار الكثير من الجدل” الواسع بين الأوساط التجارية والعمالية، وبين تمسّك العمال بحقهم في الضمان الاجتماعي، واعتراض التجار على ما يعتبرونه أعباءً إضافية وإجراءات معقّدة، وهنا يبرز تساؤل جوهري حول الجهة القادرة على تحقيق العدالة والتوازن بين حقوق الجميع.
مشكلة مزمنة
القرار فتح الباب على مصراعيه أمام جدل كبير، وهذا يحمل الكثير من التناقضات بين من يؤيد، ومن يعارض، وحتى الأخطر محاولات التهرب من التأمين الاجتماعي، وهنا يرى الدكتور عبد الرحيم زيادة رئيس غرفة تجارة ريف دمشق وجود تهرب تأميني كبير لدى عدد من الشركات التجارية والصناعية، مشيراً إلى أن بعض المنشآت توظف مئات العمال دون تسجيل أي منهم في التأمينات الاجتماعية، ما يحرم المؤسسة من موارد مالية ضرورية لدفع رواتب المتقاعدين وتغطية نفقاتها الأساسية.
مظلة لحماية الحقوق
وأوضح زيادة أن التسجيل في التأمينات الاجتماعية يحفظ حقوق العامل وصاحب العمل معاً، ويؤمّن للعامل راتباً تقاعدياً أو تعويضاً مادياً يعينه بعد انتهاء خدمته، داعياً إلى الابتعاد عن “ثقافة التهرب التأميني” وبناء علاقة شفافة قائمة على الثقة، بما يحد من الفساد والابتزاز.
عبء إضافي دون حماية فعلية
في المقابل، دعا رئيس جمعية الشحن والنقل والإمداد محمد رياض الصيرفي إلى إعادة النظر بشرط ربط السجل التجاري بالتأمينات الاجتماعية، معتبراً أن هذا الإجراء لا يحقق حماية حقيقية للعامل، بل يشكل عبئاً إضافياً على أصحاب الأعمال، موضحاً أن التأمينات الاجتماعية تحولت مع الزمن من أداة حماية إلى وسيلة جباية، حيث يتحمل صاحب العمل العبء المالي الكامل، بينما لا يلمس العامل فائدة ملموسة، لاسيما في ظل تدني الرواتب التقاعدية وتعقيد الإجراءات.
بيئة مشجعة للتحايل
ولفت الصيرفي إلى أن أصحاب الأعمال والعاملين يعيشون حالة خوف دائم من الدوريات والمخالفات، ما يدفع حتى الملتزمين إلى تسجيل الحد الأدنى من الرواتب لتخفيف الأعباء المالية، الأمر الذي يحوّل المخالفة إلى سلوك يومي.
وطالب بقوانين واضحة وعادلة تشجع على الالتزام، وتحمي الملتزمين، وتُخضع المخالفين للمساءلة، مشيراً إلى أن القوانين الجمركية الجديدة قدّمت نموذجاً إيجابياً يمكن البناء عليه خلال المرحلة القادمة.
التأمينات حق دستوري
وهنا لابد من وجهة نظر الجهة الحافظة لهذه الحقوق والعاملة على تنفيذها من خلال تأكيد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال فواز الأحمد أن تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية يُعد من أبسط الحقوق المكفولة دستورياً وقانونياً، وضمن الاتفاقيات العربية والدولية التي التزمت بها سورية.
وبالتالي فإن القطاع الخاص شريك أساسي في مرحلة التعافي وبناء سورية الجديدة، وأن الحفاظ على حقوق العمال يسهم في الاستقرار المهني، ورفع الإنتاجية وجودة المنتج، إضافة إلى تأمين الحماية في حالات إصابات العمل.
الإجراء قانوني ويخدم المصلحة العامة
والجانب المهم في الموضوع تتحمله الجهة المنفذة والضامنة لهذه الحقوق والمتعلقة بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، حيث أكد معاون المدير العام للمؤسسة الدكتور سمير بركات أن قرار ربط السجل التجاري بوثيقة تسجيل العمال هو تنفيذ للقوانين النافذة، ولاسيما المادة /16/ من قانون التأمينات الاجتماعية، التي تُلزم أي منشأة تضم عاملاً واحداً على الأقل بالتأمين عليه.
وأكد بركات أن هذا الإجراء يهدف إلى الحد من التهرب التأميني وحماية حقوق العمال وصاحب العمل والدولة، مشيراً إلى أن أصحاب العمل الملتزمين لن يتأثروا سلباً، وأن المؤسسة تقدم التسهيلات اللازمة للحصول على الوثيقة دون تعقيدات.
ومازال الجدل قائماً
يبقى الجدل قائماً بين من يرى في التأمينات الاجتماعية ضمانة أساسية لحقوق العمال، ومن يعتبرها عبئاً إضافياً يعيق النشاط الاقتصادي، وبين هذا وذاك، تبدو الحاجة ملحّة لإيجاد مقاربة متوازنة تُحقق العدالة، وتضمن حقوق العمال، وتدعم استمرارية الأعمال، ضمن إطار قانوني واضح وشفاف يعزز الثقة من انتشار عمليات الاحتيال والتهرب من تسجيل العمالة وحماية حقوقها، تحت مسميات مختلفة .