الحرية ـ إسماعيل عبد الحي:
كان يفترض أن تلعب المصارف دوراً مهماً في حركة المال والأعمال من خلال مواءمتها لوفورات القطاع الأهلي ودفعها في قطاع الأعمال، وهذا يحرك عجلة التنمية، لكن المصارف لدينا قامت بدور المرابي الخاسر لسنوات طويلة في ظل التضخم الذي شهدته سوريا لعقدين ماضيين، وعلى التوازي بقيت آلية عمل المصارف الخاصة غامضة تخضع لقرارات إداراتها الموجودة في بلدان عربية وأجنبية وبقيت على الدوام مستقطبة للعملة الأجنبية مقابل عمولة محسوبة ومحسومة لمصلحتها، وتابعت العمل طوال السنوات الماضية بشكل خجول، ومحاولة في الوقت نفسه الانسجام مع القوانين والتشريعات المصرفية السورية التي كان بعضها يقف عائقاً أمام حركة العمل المصرفي المعمول به دولياً .
ولذلك كانت حدودها ضيقة وخاصة حين أرادت التعريف بخدماتها واستقطاب المتعاملين بشكل عام، مع ملاحظة أن بعضها نجح فعلاً في استقطاب شرائح محددة، ممن حولوا ودائعهم ووفوراتهم من الليرة السورية إلى الدولار أو اليورو وأودعوها في عدد من المصارف الخاصة “العابرة للحدود “وفروا بها هاربين، في وقت كان التعامل بغير الليرة من الجرائم الاقتصادية التي تلاحق الكثير من المواطنين .
وحتى يومنا هذا لم تطور مصارفنا من آلية عملها كثيراً، ولا تزال الحركة المصرفية تدور في فلك العمل التقليدي، ولم ترتق بعملها لتصل إلى مصاف ما هو معمول به في دول متطورة من حيث استخدام الهواتف النقالة وربطها بالحسابات الشخصية للمتعاملين ودفع ثمن كل الاحتياجات الشخصية اليومية وربطها بتلك الحسابات مع ترسانة قوية من الأمن السيبراني لمنع اختراق الحسابات وملاحقة قراصنة الحسابات البنكية، ناهيك بطلب القروض إلكترونياً والموافقة عليها وتحويل قيمتها للحسابات الشخصية دون الحاجة للذهاب إلى الفروع والوقوف في طوابير المتعاملين والدوران في فلك الحركة المستندية لأي طلب مهما بخست قيمته.
المصارف العامة وبكثير من البيروقراطية والرشى التي كان يتقاضاها سماسرة القروض التي أفقدها عدد من القائمين عليها روح المؤسسة العامة، وكان يفترض أن تكتمل معها دورة الحياة الاقتصادية إن لم نقل بأنها كانت النافذة الوحيدة إليها، وفي المقابل لم تنجح المصارف الخاصة في عملها على الرغم من إعطائها “الحرية” المتمثلة في ممارستها لآلياتها، وبما تراه متوائماً مع القوانين التي تحكم العمل المصرفي، مع إعطائها كامل “الحرية” بما يتعلق بإدارة المخاطر .
بشكل عام تعمل فروع المصارف العامة في المحافظات وفقاً للقوانين السائدة في مسألتي الإيداع والإقراض، بينما تعمل المصارف الخاصة بسرية بعيداً عن أي تصريحات يمكن من خلالها تقييم نجاحها أو فشلها.
في ظل غياب رقم دقيق لعمل المصارف وملاءتها أن نتساءل عما قدمته المصارف العامة والخاصة لدورة الحياة الاقتصادية في بلد يولد اليوم من تحت الرماد من جديد.