الحرية- وديع فايز الشماس:
يشهد مضيق هرمز واحدة من أخطر لحظات التوتر منذ عقود، بعدما انتقلت إيران من التهديد السياسي إلى التصعيد الميداني عبر استهداف ناقلات النفط، في ظل اشتعال الصراعات الإقليمية.
هذا التحول يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار تاريخي، حيث يتحول المضيق من ممر ملاحي إلى ورقة ضغط قادرة على تعطيل منظومة الطاقة الدولية وإطلاق موجة تضخمية واسعة.
الأهمية الاستراتيجية للمضيق: 20% من تجارة النفط و30% من الغاز المسال
يمر عبر مضيق هرمز يومياً ما يقارب 21 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يعادل نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
كما يعبره ما بين 25% و30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يجعل المضيق نقطة ارتكاز حيوية لأمن الطاقة في آسيا وأوروبا.
هذه النسب تعني أن أي تعطّل -محدود- يخلق فجوة ضخمة في الإمدادات العالمية، ويضع الأسواق أمام صدمة لا يمكن تعويضها سريعاً.
صدمة الأسعار.. علاوة المخاطر وتهديدات الإمداد
تتفاعل أسواق الطاقة مع التوترات عبر مسارين متزامنين الأول علاوة المخاطر الجيوسياسية: حيث ترتفع الأسعار فوراً بمجرد التهديد، إذ يضيف المتعاملون “ضريبة قلق” على سعر البرميل.
والثاني صدمة العرض المباشرة: فأي استهداف للناقلات أو إغلاق جزئي يسحب كميات ضخمة من السوق، ما قد يدفع أسعار برنت إلى ما فوق 120 دولاراً، مع احتمالات بلوغ 150 دولاراً في حال الإغلاق الكامل، وهذه القفزات لا تعكس نقصاً فعلياً فقط، بل أيضاً حالة الذعر التي تصيب الأسواق عند كل اضطراب في المضيق.
تداعيات اقتصادية عالمية
تأثيرات الأزمة لا تتوقف عند أسعار النفط، بل تمتد إلى مفاصل الاقتصاد العالمي ومن خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين: أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب تقفز إلى مستويات قياسية، ما يرفع تكلفة نقل النفط والسلع كافة.
وتضخم مدفوع بالتكلفة: الطاقة عنصر أساسي في الصناعة والزراعة والنقل، ما يؤدي إلى موجة تضخمية تشمل الغذاء والكهرباء والمواد الخام.
ضغط على ميزان المدفوعات: الدول المستوردة للطاقة تواجه استنزافاً لاحتياطاتها من العملات الصعبة وتراجعاً في قيمة عملاتها وهذه السلسلة من التأثيرات تجعل الأزمة في مضيق هرمز أزمة عالمية لا إقليمية.
ارتدادات الأسواق المالية.. هروب من المخاطر نحو الملاذات الآمنة
تدخل الأسواق المالية في حالة اضطراب فور تصاعد التوترات:
- أسهم الطاقة والدفاع ترتفع نتيجة توقعات زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار النفط.
- قطاع الطيران يتراجع بسبب ارتفاع تكاليف الوقود واضطراب المسارات الجوية.
- الذهب ينتعش باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات الجيوسياسية.
هذا التحول يعكس انتقال المستثمرين من الأصول الخطرة إلى الأصول الآمنة، في مشهد يتكرر مع كل أزمة كبرى في المضيق.
الركود التضخمي.. الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي
ارتفاع أسعار الطاقة بالتزامن مع سياسات نقدية مشددة يضع العالم أمام خطر ركود تضخمي:
تضخم مرتفع+ نمو ضعيف+ تكاليف اقتراض مرتفعة، وهذا المزيج يهدد بتباطؤ اقتصادي عالمي قد يمتد لسنوات، ويجعل من أزمة هرمز نقطة تحول في مسار الاقتصاد الدولي.
إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي
تعطّل مضيق هرمز لا يعني أزمة طاقة فقط، بل يعيد تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية ومسارات التجارة العالمية، وسياسات الأمن البحري، واستراتيجيات الدول في إدارة احتياطاتها من الطاق، فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حياة اقتصادي، وأي تهديد له ينعكس على كل منزل وكل اقتصاد في العالم.