معرض دمشق الدولي للكتاب.. رحلة بين الثقافة والجودة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- ميسون شباني:

عاد معرض دمشق الدولي للكتاب هذا العام ليعيد للمدينة روحها الثقافية، بعد سنوات من الانقطاع التي فرضتها الحرب والظروف الصعبة. في أروقة المعرض، لم يكن الزائر مجرد متفرج على رفوف الكتب، بل جزء من حركة حياة كاملة، شباب وبنات يسابقون الزمن بين الأجنحة، يطالعون الصفحات، يسألون عن المؤلفين، ويدوّنون العناوين على قوائم للبحث لاحقاً. كل كتاب يحمل نافذة لعالم مختلف، وكل جناح يُمثل تجربة ثقافية متكاملة، من الأدب العالمي إلى التراث العربي، مروراً بالعلوم الشرعية والروايات الشبابية.

المشاركة السعودية تجربة ثقافية متكاملة

تميّزت هذه الدورة بمشاركة الوفد السعودي الرسمي برئاسة وزارة الثقافة، الذي حرص على تقديم جناح متكامل يجمع بين الكتاب والفن والموسيقى والسينما. القهوة العربية كانت حاضرة كعنصر ترحيبي، وعزف العود رافق حركة الزوار، بينما عرضت شاشات الأفلام السعودية تجارب معاصرة في السينما والفنون البصرية.

يقول د. علي زعل، الكاتب والناقد السينمائي والأدبي بأن مشاركتنا ليست مجرد حضور رسمي، بل امتداد لعلاقة ثقافية وتاريخية بين البلدين تتجاوز خمسة قرون، والهدف هو إعادة ترسيخ الثقافة السعودية الأصيلة، وجعلها جسراً يربط بين الحاضر والماضي العربي.

الجناح جذب اهتمام الزوار، ووفّر لهم تجربة ثقافية تتجاوز مجرد الكتب لتشمل الهوية والإبداع العربي.

الإقبال الجماهيري والبحث عن المعرفة

بحسب أرقام وزارة الثقافة السورية، تجاوز عدد الزوار 200 ألف شخص في اليوم الثاني. اللافت أن الزيارة لم تكن عابرة، بل اتسمت بطابع بحثي، فالزوار جاؤوا بقوائم جاهزة، يبحثون عن عناوين محددة في الأدب والفكر، ويقفون عند الأجنحة لاستكشاف كل جديد.

الأسعار بين الجودة وإتاحة المعرفة

كان لأسعار الكتب حضور بارز في المعرض، فهي لم تكن مجرد أرقام، بل انعكاس لرؤية ثقافية شاملة تسعى لتقريب المعرفة لكل الفئات. تراوحت الأسعار بين رمزية تصل إلى أقل من دولارين للكتب البسيطة أو المخصصة للطلاب، وصولاً إلى إصدارات راقية قد تتخطى 60 دولاراً، بحسب جودة الطباعة ونوع الكتاب وسمعة المؤلف.

أحد مسؤولي دور النشر أكد أن التخفيضات التي وصلت إلى 40% كانت بهدف تسهيل وصول الكتاب للقارئ السوري، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مشيراً إلى أن تحديد السعر لا يعتمد فقط على حقوق المؤلف، بل على تكلفة الإنتاج والجودة المطبوعة.

وفي أجنحة دور النشر المغربية والسعودية، كان المبدأ نفسه، أسعار متناسبة مع الوضع المحلي، مع التركيز على الأدب، العلوم، التراث والفنون الشعبية بأسعار معقولة، لتتيح للزائر شراء عدة كتب دون أن تشكل عبئاً مالياً، مع الحفاظ على جودة المحتوى والفائدة الفكرية.

القراءة بين الحاجة والاختيار

اللافت في المعرض هو القيمة الشرائية للكتب والتي عكست تفاعل الجمهور مع المعرض: يقول محمد درباس 27 عاماً طالب جامعي أتيت بقائمة جاهزة من الكتب التي أبحث عنها. بعض هذه العناوين لم يكن متوافراً في السوق منذ سنوات، والمعرض أتاح لي الوصول إليها بأسعار مقبولة.

من جهتها أكدت رنا الخطبا 35 عاماً مدرسة لغة عربية أنها تفضل شراء كتاب جيد الطباعة حتى لو كان غالياً لأنه يبقى محافظاً على شكله سنوات، ويُقرأ أكثر من مرة.

بدوره أكد ليث عباس 24 عاماً طالب جامعي أن ما لفته هو إمكانية شراء عدة كتب بأسعار مناسبة، مع وجود خيارات ذات جودة عالية لمن يبحث عن مراجع جدية.

ولفتت الموظفة نوال جيرودية 41 عاماً إلى أن المعرض أعاد لنا عادة التجول بين الكتب، وليس الشراء السريع فقط. هناك وقت للتصفح والمقارنة والتفكير.

المشاركات العربية فسيفساء ثقافية

شهد المعرض مشاركة عربية واسعة كل جناح قدّم تجربة ثقافية تعكس هوية بلده وتاريخه وفنه، ليس مجرد بيع للكتب.

سلطت المشاركة القطرية الضوء على التراث العالمي غير المادي، مثل الصيد بالصقور، القهوة العربية، والنول والسدو، وجميعها مسجلة لدى اليونسكو، وأكد حسن الخياط أحد مسؤولي الجناح أنهم قدموا تجربة تفاعلية فريدة تعتمد على إشراك الحواس الخمس، حيث يتعرّف الزائر على ملامح الثقافة القطرية من خلال العطور التراثية، والتفاعل مع الشاشات الرقمية المزودة بالذكاء الاصطناعي، والاطلاع على الإصدارات الفكرية ما يعكس حرص الدول العربية على الحفاظ على تراثها ونقله للأجيال القادمة.

أيضاً حضرت أجنحة مصر، الأردن، لبنان، المغرب وتركيا بتنوع لافت جمع بين الأدب العربي والعالمي، الكتب الدينية، والإصدارات التراثية.

المعرض كجسر ثقافي

يقدّم معرض دمشق الدولي للكتاب صورة واضحة عن دوره كجسر ثقافي بين الماضي والحاضر، وبين سوريا وبقية الدول العربية من ناحية الإقبال الجماهيري، تنوع المشاركات، الأسعار المدروسة، والشهادات الواقعية للزوار، أعاد المعرض تثبيت الكتاب كعنصر معرفي مركزي، وفضاء للتبادل الثقافي، بعيداً عن منطق الاستهلاك السريع، ومؤكداً أن المعرفة ليست ترفاً بل ضرورة حضارية.

Leave a Comment
آخر الأخبار