الحرية- علام العبد:
حمل معرض الزيتون الأول في إدلب هذا العام، الكثير من المعاني والدلالات لاسيما أنه الأول بعد تحرير البلاد من النظام البائد، الذي جعل من شجرة الزيتون هدفاً من أهدافه المباشرة خلال حربه التي لم يسلم منها الزيتون ولا زيته، وهو الذي أقدم على قص وقلع وقطع، آلاف الأشجار المثمرة ومنها المعمرة، وفي إحصائية لها قدرت مديرية زراعة إدلب الأشجار المقطوعة بحوالي مليون و نصف المليون شجرة من إجمالي 14 مليون شجرة زيتون كانت تمتلكها المحافظة قبل اندلاع الثورة.
لقد جاء معرض الزيتون اليوم مختلفاً عن المعارض السابقة، فالصورة التي عليه المعرض جاءت لتؤكد أن الشجرة التي ذبحها النظام البائد دون أن يراق دمها لم تمت، عادت إليها الحياة فأينعت وأزهرت وحملت وطرحت ثماراً من نصر وتحرير، في معرض الزيتون “الإدلبي” تكاتفت جماليات عديدة، وتداخل في صورتها الكليّة الصمود الذي سطرته شجرة الزيتون وأهلها إبان حرب النظام البائد، وإن كان لنا أن نتساءل عن سبب إصراره على قطع وقلع و إحراق حقول الزيتون وبالأخص في ريف إدلب الجنوبي، فأحسب أن هذا حدث عندما شعر النظام البائد أنه كان دخيلاً على هذه الأرض ودخوله كان مؤقتاً وهو كذلك، فهو لم يرث عن أبيه أو جده شجرة زيتون عمرها مئات السنين، تربطه مادياً ومعنوياً بالأرض، وتمنحه دليلاً على وجوده الممتد والعميق فيها، ولأن انتشار أصحاب الأرض الحقيقيين في سهول وجبال إدلب في وقت واحد كلّ عام كأنما يكشف حقيقة النظام البائد، وينسفها من جذورها، فيما تبقى جذور الزيتون الغائرة عميقاً في التراب عنواناً لمعركة الوجود على هذه الأرض، إلى أن قضى الله أمراً كان مفعولاً.
باختصار؛ معرض الزيتون الذي شهد إقبالاً كبيراً من قبل الشركات المعنية بقطاع الزيتون حيث بلغ عدد الشركات المشاركة 40 شركة ما عكس أهمية التعاون بين الجهات الفاعلة لإنجاح هذا الحدث وتعزيز دوره التنموي والاقتصادي، وكان ذلك بمثابة إعلان النصر على كل من اغتصب عذرية شجرة الزيتون واستباح حرمتها..
لقد جسد المعرض الذي أُقيم في إدلب عاصمة الزيتون وشهداء الثورة السورية، فهي مثلما تزخر بروائح زيت الزيتون البلدي والزعتر البري، تذخر اليوم برائحة دماء الشهداء الذكية التي نزفت دفاعاً عن الوطن ولأجله، وتقدم شهداً تراثيا ينبض بالحياة، فرصة مثالية للاحتفاء بالموروث الثقافي “الإدلبي” الذي يمثل ترابطاً قلّ مثيله بين جذور الماضي والحاضر.
إن النسخة الأولى للمعرض بعد التحرير رسخت حضور إدلب كوجهة محلية وعربية رائدة في قطاع الزيتون والمنتجات الريفية وأثبتت استمرارية القطاع رغم كل التحديات التي واجهت وتواجه شجرة الزيتون المباركة، وما رأيناه هذا العام من إقبال وثقة ونجاح للمعرض يؤكد أن إدلب تمتلك قطاعاً ريفياً قادراً على الوفاء لشجرة الزيتون وزيتها الذي سال يوماً.