الحرية ـ أمين سليم الدريوسي:
في حدث دبلوماسي يعيد ترتيب أوراق التحالفات الإقليمية، استُقبل أمس في العاصمة السعودية الرياض الوفد السوري المشارك في اجتماع كبار المسؤولين الدبلوماسيين والدفاعيين في التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، ليس كضيفٍ عابر، بل كعضوٍ جديد برقم 90 في التحالف الدولي ضد هذا التنظيم، هذا التحول التاريخي لم يكن مجرد إضافة اسم إلى قائمة، بل كان اعترافاً صريحاً بأن المعركة ضد الإرهاب لن تُحسم إلا من خلال بوابة دمشق.
تحول استراتيجي
لأكثر من عقد، ظلت سوريا ساحة لصراع دولي متشابك، حيث كانت السياسة تسبق الأمن، والصراع الجيوسياسي يطغى على مكافحة الإرهاب، لكن اجتماع الرياض قلب المعادلة رأساً على عقب، الخطاب تغير من «ضرب مواقع في سوريا» بحجة محاربة تنظيم «داعش» إلى «العمل مع الحكومة السورية» في هذا الشأن، ومن «التدخل» إلى «التنسيق» معها.
إضافة لما تقدم على أنه اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لم يكن في الحقيقة إلا إعادة كتابة لملف الشمال السوري، فـ«وقف إطلاق النار الدائم» ليس مجرد هدنة، بل كان هو بداية عملية سياسية شاملة، و«دمج القوات» يعني إغلاق ملف الانقسام العسكري الذي استغلته التنظيمات الإرهابية لسنوات، ودمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية، لتشكيل بنية الحكومة السورية المعلنة لتولي القيادة الوطنية لجهود مكافحة «داعش».
بيان التحالف الدولي الذي أصدرته الحكومتان الأمريكية والسعودية والذي جدد التزامهم المشترك بدحر تنظيم داعش في سوريا والعراق يضع يده على الجرح الأعمق في ملف ما بعد «داعش»، حين يحدد أولوياته في النقل السريع والآمن لمعتقلي التنظيم وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، هذه النقطة تحديداً تكشف تحولاً جوهرياً في الموقف الدولي: فبعد سنوات من التلكؤ والمماطلة في استعادة المقاتلين الأجانب، يبدو أن المجتمع الدولي أدرك أخيراً أن ترك هؤلاء في المخيمات يمثل قنبلة موقوتة تهدد الأمن العالمي.
عبء دولي أصبح مسؤولية وطنية
أما فيما يخص تحويل مسؤولية مخيمي الهول وروج إلى الحكومة السورية ليس نقلاً إدارياً عادياً، بل هو اعتراف بأن حل إشكالية المقاتلين الأجانب وعائلاتهم يحتاج إلى سلطة سيادية قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، وهنا السؤال الذي ظلت الدول الغربية تتجنبه لسنوات: «ماذا بعد هزيمة داعش؟» تجيب عليه سوريا اليوم: «نحن نتحمل المسؤولية».
ولم يكن اختيار الرياض لهذا الاجتماع صدفة، فالمملكة التي كانت تُصنّف في خانة «المعارضة» للنظام البائد، تستضيف اليوم الوفده السوري كعضو في التحالف، هذا الدور الجديد للسعودية كميسر إقليمي قد يكون أكبر تحول في السياسة العربية منذ سنوات، ونائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي لم يرأس اجتماعاً دبلوماسياً عادياً، بل أشرف على لحظة انتقال السلطة في ملف الإرهاب من القوى الدولية إلى القوى الإقليمية.
رسائل تتجاوز حبر البيان الرسمي
إن انضمام سوريا للتحالف يحمل رسائل عميقة غير مذكورة في النص الرسمي والبيان المشترك الذي أصدرته الحكومتان الأمريكية والسعودية، لكن الأمر يتردد في أروقة الدبلوماسية الدولية، فبالنسبة للولايات المتحدة، يشكل هذا القرار اعترافاً ضمنياً بأن سياسة «المناطق الآمنة» التي انتهجتها طوال السنوات الماضية قد فشلت في تحقيق الاستقرار المنشود، وأن بوابة الحل الحقيقي تمر عبر الاعتراف بالواقع القائم على الأرض.
أما القوى الإقليمية، فتتلقى رسالة واضحة بأن مستقبل سوريا لم يعد يُقرر في مكاتب الاستخبارات الأجنبية، بل في دمشق والرياض، ومن خلال حوار مباشر بين الأطراف ذات المصلحة الحقيقية في الاستقرار الإقليمي، ويوجه البيان رسالة قاسية للجماعات المسلحة بأن زمن «البدائل» المزعومة للنظام البائد قد انتهى إلى غير رجعة، وأن شرعية «المقاومة » المسلحة قد استنفدت أغراضها.
وفي الوقت نفسه، تواجه الدول الأوروبية حقيقةً لا يمكن تجاهلها وهي أن ملف ما يسمى «المقاتلين» الأجانب وعائلاتهم في المخيمات لن يُحل إلا عبر التعاون المباشر مع الحكومة الشرعية في دمشق، بعد أن أثبتت الحلول الجزئية والمنفردة فشلها الذريع.
التحديات القادمة
إن الانضمام الرسمي للتحالف يبدو خطوة سهلة إذا قورنت بالجبل الجليدي من المهام العملية التي تنتظر التنفيذ، فالسؤال الجوهري يكمن في كيفية تعامل سوريا مع آلاف «المقاتلين» السابقين الذين سينتقلون من وضع «الأسرى» إلى وضع «المواطنين» أو «المحاكمين»، كما تبرز معضلة حقوق العائلات في مخيمي الهول والروج، حيث تحتاج الضمانات إلى أكثر من وعود مكتوبة في بيان دبلوماسي.
ويظل التحدي الأكثر تعقيداً في عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني، وهي معادلة تحتاج إلى حنكة سياسية وعسكرية نادرة، وفي الجانب الاقتصادي، يطرح السؤال الأهم: هل ستتحول الأموال الدولية من دائرة «المساعدات الإنسانية» المؤقتة إلى فضاء «تمويل إعادة الإعمار» المستدام؟
انتصار للدبلوماسية السورية
خلاصة القول، هل يمكن القول إن هذا انتصار للدبلوماسية السورية أم انسحاب مدروس للتحالف؟
قد يرى البعض في هذا القبول بانضمام سوريا للتحالف انتصاراً للدبلوماسية السورية التي نجحت في تحويل ملف الإرهاب من تهمة موجهة ضدها إلى بطاقة دخول للمجتمع الدولي، بينما قد يراه آخرون محاولة من التحالف الدولي للانسحاب بطريقة تحفظ ماء الوجه من معركة خسر فيها الكثير من المال والسمعة.
بغض النظر عن التفسير، تبقى الحقيقة أن سوريا اليوم أصبحت – رسمياً – جزءاً من الحل الذي طالما طالبت به، بعد أن ظلت لعقد كامل تُوصف بأنها جزء من المشكلة، فالمعركة القادمة ليست مع «داعش» فحسب، بل مع تاريخ من التشويه ومع مستقبل يحتاج إلى أكثر من اجتماع في الرياض أو لربما غير الرياض لبنائه.