الحرية- بقلم: يسرى المصري:
إذا سألت أحدهم عن أوضاع المعيشة في سوريا، فستسمع البعض يتحدث عن بذخ وسيارات ومطاعم ممتلئة وأرباح تخرج من الأذن لكثرة الامتلاء، ويقول لك آخرون إنَّ الفقر يسكن البيوت والجيوب والرؤوس المثقلة بالهموم، والظهور المنحنية، والخيم التي لا تأوي من برد أو رياح أو مطر، وأرياف بيوتها بلا سقوف وأحياناً بلا جدران. وثمة من لا يجد كفاف عائلته في اليوم، وثمة من توقف راتبه التقاعدي لأسباب تحتاج إلى إعادة دراسة وتأمل، مما جعله وعائلته وجهاً لوجه عرضةً لسؤال الناس أعطوه أو منعوه. فأين الحقيقة؟
الأرقام التي ورثتها الحكومة تبدو وكأنها تروي سردية انهيار لا يمكن إصلاحه.. أكثر من 16.7 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة، 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، والبطالة تتفشى في كل مكان. الناتج المحلي الإجمالي تقلص بأكثر من النصف، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة التعافي قد تصل إلى 216 مليار دولار. أمام هذه التحديات المهولة، يبرز السؤال المهم: هل تكتفي الحكومة بإدارة الفقر عبر توزيع المساعدات والإغاثات، أم تضع خطة ومنهجاً جديداً يقدم مقاربة مغايرة جذرياً من خلال تحويل الفقر من قدر محتوم إلى تحدٍ قابل للحل، عبر بوابة رئيسية هي “العمل”؟
إذا أردت مسك الخيط لشبكة الفقر العنكبوتية التي تنسج خيوطها بالسر والعلن، وخاصة في الأرياف، فعليك أن تنزل بداية إلى الشارع.
سنوات من الاعتماد على الإغاثة مضت، وحان الوقت كي تتبنى الحكومة السورية الجديدة مقاربة اقتصادية طموحة تضع القضاء على الفقر عبر استعادة “سبل العيش الكريمة” في صلب برنامجها. وذلك يتطلب من المنظمات الدولية والمانحين إعادة النظر في آليات التمويل التقليدية، والانتقال من منطق “إدارة الفقر” إلى شراكة حقيقية في البناء.
مؤخراً، بدأت أصوات جديدة تصدح من العاصمة دمشق، حيث كان الهم اليومي للمواطن يتمحور حول تأمين رغيف الخبز أو ساعات قليلة من التيار الكهربائي، وبات يتردد صدى عبارة لافتة للنظر: الهدف لم يعد إدارة الفقر، بل خطة استراتيجية للقضاء عليه خلال سنوات قليلة. هذا الطموح، الذي قد يبدو للبعض حلماً بعيد المنال في بلد دمرته 14 سنة من الحرب، سيعكس تحولاً جوهرياً في الفلسفة الاقتصادية للحكومة.
وفي قراءة لما تطرحه الحكومة اليوم بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة، وخاصة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الأغذية والزراعة، نلحظ بداية تحول من المنطق الإنساني البحت إلى منطق التنمية المستدامة. وهنا ليس المطلوب فقط إبقاء الناس على قيد الحياة، بل تمكينهم من كسب عيشهم بكرامة. ذلك يفسر التركيز الكبير على برامج “العمل” التي ستصبح أداة رئيسية في استراتيجية التعافي.
البرامج التي تشكل العمود الفقري للاستراتيجية، حسب المعلومات المتوفرة، تحقق ثلاث فوائد في وقت واحد: أولاً، تساهم بشكل مباشر في إزالة الأنقاض التي تزن ملايين الأطنان من المدن المدمرة، وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات الري. ثانياً، تضخ دخلاً نقدياً عبر توفير فرص العمل، مما ينشط الاقتصاد المحلي. ثالثاً، والأكثر أهمية على المدى البعيد، تعيد تأهيل “جيل كامل” وتعلمه مهارات حرفية وفنية جديدة، وتعيد له ثقته بنفسه وبقدرته على المساهمة في مجتمعه.
وتمثل الزراعة الحلقة الأهم للاقتصاد السوري، والنظرة الجديدة إلى القطاع تعيد له اعتباره كمحرك رئيسي للانتعاش. مع وجود 45% من السكان يعتمدون على الزراعة في معيشتهم، فإن إحياء هذا القطاع هو شرط أساسي لاستعادة الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
وبصورة عامة للمشهد، نلاحظ أن الاهتمام الدولي الذي يركز عادة على جذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى يبدو في منحى مختلف في الحالة السورية، فاللاعب الأهم على المدى القصير هو القطاع الخاص، مع الأخذ بعين الاعتبار أن رجال الأعمال والمستثمرين السوريين هم من ظلوا صامدين طوال سنوات الحرب، وحافظوا على دوران عجلة الاقتصاد ولو ببطء.
وبات من المهم الانطلاق في خطة التعافي من إعادة ثقة هؤلاء المستثمرين، وذلك يتطلب إصلاحات فورية وجذرية في بيئة الأعمال، بداية من تبسيط إجراءات التراخيص، وتوحيد المعايير، وضمان الشفافية في المعاملات العقارية، وتوفير آليات تمويل ميسرة كالقروض الصغيرة ومتناهية الصغر، وانتهاءً بدعم هذه الفئة، فهو أقصر الطرق لخلق مئات الآلاف من فرص العمل بسرعة، خاصة في قطاعات مثل البناء والتشييد والصناعات الخفيفة والخدمات المحلية.
هذا المشروع والاستراتيجية، من المنطقي أنها ترتبط بدور “العقد الاجتماعي الجديد” الذي تحدث عنه الرئيس أحمد الشرع. ففي بلد مزقته الحرب، لا يمكن للخرسانة والإسمنت أن تصمد إذا لم تكن هناك ثقة متبادلة بين أبنائه. وذلك أن برامج التشغيل المؤقت يمكن أن تلعب دوراً بناءً في رأب الصدع الاجتماعي. عندما يعمل شباب جنباً إلى جنب لإزالة أنقاض حيهم أو إعادة بناء مدرستهم، فإنهم لا يبنون جدراناً فحسب، بل يبنون جسوراً من الثقة والتعاون. هذا هو الجانب غير الملموس للتعافي، لكنه الأكثر أهمية. فالبنية التحتية المادية تتعافى مع وجود “برمجيات” اجتماعية متمثلة في مؤسسات حكومية قادرة على تقديم الخدمات، ومجتمع مدني فاعل، ومواطنين يشعرون أن لهم مصلحة حقيقية في استقرار بلدهم.
نحن متفائلون بالقادم من الأيام، وما يميز المرحلة الحالية هو الوضوح الاستراتيجي: فالخلاص لن يأتي من الخارج، ولن يتحقق عبر المساعدات. الخلاص يأتي من تمكين السوريين من العمل والإنتاج. إذا نجحت هذه المقاربة، فلن تكون سوريا قد أعادت بناء اقتصادها فحسب، بل ستقدم نموذجاً فريداً للعالم في كيفية تحويل التحدي الإنساني الأكبر إلى فرصة تنموية شاملة.