الحرية- مها يوسف:
إدارة المال داخل الأسرة لم تعد مسألة أرقام فقط، بل أصبحت قضية تربوية ونفسية تمسّ استقرار البيت وعلاقاته. فالقرار المالي حين يُدار بوعي وتشارك، يتحول من مصدر توتر إلى ركيزة لبناء الثقة والمسؤولية بين أفراد الأسرة.
وترى الدكتورة مايا بركات مدرس في جامعة طرطوس– كلية التربية قسم الإرشاد النفسي، أن قرار موازنة الأسرة يجب أن يكون قراراً مشتركاً قائماً على الشفافية، لأن المشاركة تقلل من الخلافات وتشعر جميع الأفراد بالمسؤولية تجاه الالتزام بالميزانية.
فالشفافية تعني وضوح صورة الدخل والمصروف أمام أفراد العائلة، مع مرونة تسمح بالتعديل وفق الظروف الطارئة.
الخلافات المالية بين الأزواج
توضح الدكتورة بركات أن الضغوط المالية وعدم كفاية الدخل لتلبية الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى الديون المتراكمة، تُعد من أبرز أسباب الخلافات الزوجية.
كما أن محاولة أحد الزوجين السيطرة الكاملة على الشؤون المالية وتهميش الطرف الآخر تولد شعوراً بعدم التقدير والمشاركة، كما تلعب التربية والخلفية الثقافية دوراً مهماً في هذه الخلافات، إذ قد يأتي كل طرف من بيئة تختلف عاداتها المالية بين التبذير والادخار المفرط، كما تختلف النظرة إلى دور الرجل والمرأة في الإدارة المالية. ويُضاف إلى ذلك نقص الشفافية في ما يتعلق بالدخل أو الديون أو المصاريف الشخصية، ما يعمّق فجوة الثقة بين الزوجين.
تربية الأبناء على الوعي المالي
وتبين بركات أن التربية على الوعي المالي عملية تراكمية تبدأ من القدوة، فالطفل الذي يرى والديه يخططان ويناقشان المال بعقلانية يتعلم ذلك تلقائياً. كما أن إشراك الأبناء في بعض القرارات المالية بما يتناسب مع أعمارهم، ومنحهم مصروفاً منتظماً مع إتاحة حرية إدارته تحت إشراف معتدل، يعزز حسّ المسؤولية لديهم.
وتلفت إلى أهمية السماح للأبناء بتجربة الخطأ وتحمل نتائجه دون تدخل فوري، وتعليمهم أن المال وسيلة لتحقيق الأمان ومساعدة الآخرين لا أداة للتباهي.
كما تحذر من ربط المال بالعاطفة سلباً، أو استخدامه كمكافأة أو عقاب للسلوك اليومي، وعدم تحميل الأطفال أعباء الأزمات المالية الكبيرة بما يثير قلقهم.
المصروف والضغط الاجتماعي
وترى الدكتورة بركات أن المصروف المدرسي يمثل أول تجربة مالية للطفل، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط اجتماعي نتيجة المقارنة مع الأقران، سواء في قيمة المصروف أو في المشاركة بالأنشطة والهدايا أو امتلاك الأجهزة الحديثة. وقد يؤدي ذلك إلى شعور الطفل بالاختلاف أو التعرض للتنمر، خاصة إذا كان مصروفه محدوداً أو يعتمد طعاماً منزلياً.
وتؤكد أهمية تعزيز ثقة الطفل بنفسه في مجالات غير مادية، كالمهارات الرياضية أو الفنية أو الاجتماعية، وتعليمه كيفية تقسيم مصروفه بين إنفاق وادخار ومشاركة، مع توضيح أن لكل أسرة إمكاناتها وأولوياتها الخاصة من دون التقليل من شأن أحد.
المقارنة وثقافة القناعة
توضح الدكتورة بركات أن المقارنة بين العائلات ظاهرة اجتماعية شائعة، لكنها تتحول إلى مصدر ضغط نفسي عندما تُربط بالقيمة المادية أو بإنجازات الأبناء أو بصورة “العائلة المثالية”. فهذه المقارنات تولد شعوراً دائماً بعدم الكفاية، وقد تتحول إلى لوم متبادل بين الأزواج أو إلى تنمية قيم مادية سطحية لدى الأطفال.
وتدعو إلى الانتقال من المقارنة بالآخرين إلى المقارنة بالذات، أي مقارنة الأسرة بما كانت عليه سابقاً وما حققته من تقدم، مع تعزيز ثقافة القناعة والامتنان للنعم المتاحة.
كما تشدد على ضرورة تجنب عبارات المقارنة أمام الأبناء، وتشجيع التميز الفردي لكل طفل، والحديث بصراحة مناسبة للعمر عن أولويات الأسرة وخياراتها المالية.
حوار آمن حول المال
وتؤكد أن الحديث مع الأبناء عن الوضع المادي يجب أن يكون بعيداً عن التهويل أو الإنكار، ومن دون إشعارهم بالذنب تجاه احتياجاتهم الطبيعية. الأهم هو تعزيز شعورهم بالأمان، واختيار الوقت المناسب للحوار، واعتماد لغة جماعية تعكس الشراكة في مواجهة التحديات.
وتشدد بركات على ضرورة فتح المجال أمام الأطفال لطرح الأسئلة والتعبير عن مخاوفهم، لأن الحوار المالي ليس نقاشاً عابراً بل ثقافة مستمرة تُبنى على الصدق والاحترام، وتحول الأزمات إلى فرص لتعليم التعاون والمرونة، وترسيخ فكرة أن المال وسيلة لتحقيق الاستقرار العاطفي والتربية السليمة.
وتختم الدكتورة بركات بأن الأسرة التي تدير مالها بحكمة لا تحقق الاستقرار المالي فحسب، بل تبني ثقافة من الثقة والمسؤولية والاحترام، وهو الإرث الحقيقي الذي ينتقل إلى الأجيال القادمة.
فحين يكون المال خادماً للقيم لا سيداً عليها، يصبح البيت أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات الحياة.