الحرية- جواد ديوب:
كأن قدرنا أن نتحسر على الماضي وأن نقف على أطلال أزمنة جميلة لم يتبق منها سوى حفنة ذكريات مع مجموعة صور كلما أعدنا مشاهدتها أو مشاركتها ازداد إحساسنا بضبابية القادم!
تمر الأعياد العالمية عادةً لتذكر البشر بضرورة الاحتفال أو الاحتفاء أو الاهتمام بموضوع الحدث/ العيد… ورغم محاولات بعض أهل الاختصاص من المسرحيين السوريين الاحتفالَ والابتهاج باليوم العالمي للمسرح سواء عبر احتفالية سنوية يقيمها طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق كمكان له رمزيته وخصوصيته وتاريخه وحكاياته وأسماء رواده… أو عبر عدة نشاطات مسرحية تقيمها مديرية المسارح والموسيقا في دمشق (مسرحية “اليوم السابع” إخراج كفاح الخوص بالتعاون مع طلاب قسم التمثيل في الجامعة العربية الدولية بإشراف الدكتور عجاج سليم مستمرة حتى ٣ نيسان) وفي حلب مهرجان المونودراما….

لكن كما أشرت يبدو أن حتى أولئك المسرحيين المعوجنين بالهم المسرحي والذين عاندوا ظروف الحرب واستمروا في الاشتغال على كتابة وإعداد وإخراج أو تمثيل النصوص المسرحية بسبب شغفهم القديم… أقول يبدو أنه حتى هؤلاء لم يستطيعوا إخفاء مشاعرهم العميقة ورؤيتهم لمآل المسرح السوري.
مجتمعٌ محافظ!
حيث حكى لنا، على صفحته الشخصية، وليد السباعي ابن الراحل مراد السباعي المؤسس الأول لنادي “دوحة الميماس” أقدم الأندية الفنية في سوريا كيف أن والده
كان “رجلاً سبق عصره، لأنه تحرك خارج أسوار المجتمع الحمصي المحافظ. وكان أول من شجع المرأة للتمثيل المسرحي فكانت فرقته تضم ممثلتين لأول مرة، فصديقه الأستاذ المرحوم عبد المعين الملوحي دفع بابنته (خزامى ) لتكون أول ممثلة تظهر في حمص.”
ويضيف السباعي: “وقد تلقى والدي الكثير من التهديدات بالقتل لأن جمهور مسرحه كان يضم الجنسين معاً وكانت تلك جريمة بنظر المتعصبين الذي لم يتحملوا أفكاره التحررية… وتلك النهضة التنويرية التي بدأت تظهر في بداية الخمسينيات من القرن الماضي وامتدت إلى بداية السبعينيات، كان يقودها رجال مثل: مراد السباعي، وعبد المعين الملوحي، و سامي الدروبي، و رضا صافي، ووصفي فرنفلي، وعبد السلام عيون السود وغيرهم من المثقفين الكبار أولئك الذين ساهموا بأفكارهم وأعمالهم في تقدم البلد… ليتهم لم يرحلوا لفعلوا شيئاً في عصر الانحطاط هذا.”
مسرحٌ منزوع المخالب!
فيما كتب المسرحي ياسر دريباتي ما يشبه رسالة مفترضة إلى الراحل سعد الله ونوس يشكو ويبوح له بصوتٍ عالٍ نقتبسُ بعضاً منها: “نحن الجيل الخائب، يا سعد الله! الجيل الذي لم يعد محكومًا بالأمل، بل محكومٌ بالنجاة المؤقتة… كيف نصدّق أن الكلمة لا تزال قادرة على الحياة، وفيلُ الملك يعيث في الأرض فسادًا، والجمهور يصفق كما لو أنّ الكارثة مجرّد مشهدٍ في كوميديا عبثية رديئة؟… في بلادنا، المسرح مناسبة موسمية أنيقة؛ ملصق سنوي يذكّرنا، على سبيل المجاملة الحضارية، بأن شيئًا اسمه “المسرح” لا يزال موجودًا في القاموس، فنرتدي، ليومٍ واحد، وجوهنا الثقافية المصقولة، ونكتب عن الخشبة، والضوء، ورسالة الفن، وسموّ الجمال، ثم نعود بهدوء إلى واقعٍ لا يحتمل حتى جملة صادقة واحدة يقولها ممثل شجاع على الخشبة.”
دريباتي المسرحيُّ المهاجر إلى ألمانيا يجاهر بفكرته المتشائمة نوعاً ما حين يقول: “ماذا يعني احتفالنا باليوم العالمي للمسرح في مجتمعٍ يربّي أبناءه على الطاعة لا على السؤال، على الامتثال لا على الخيال، وعلى ترديد ما يُقال لا على اكتشاف ما ينبغي أن يُقال؟! ثم نتساءل: لماذا لا يوجد لدينا مسرحٌ حيٌّ؟ والجواب نعرفه جميعًا؛ لأننا نريده مهذّبًا، مطيعًا، منزوعَ المخالب، لا يسأل، لا يُقلِق، لا يُحرِج، لا يوقظ أحدًا من نومه الطويل.”

زهرة الأمل المسرحية!
فيما نسجت النوستالجيا خيوطها بين صور نشرها الممثل مصطفى الخاني لأيام دراسته في المعهد العالي للمسرح بدمشق مع ذِكرٍ لأسماء رفاقه من ممثلين أصبحوا نجوماً، وصورٍ لمكان مهجور نشرها المسرحي سامر إبراهيم أبو ليلى وقال عنها: “في هذا المكان المسجون المقدس ولدتْ في المسرح الجامعي بحمص 1989 فرقةُ فواز الساجر المسرحية.
وبسبب هذه الصور التي تم التقاطها عصر يوم الخميس 26 آذار، تأخرتُ عن الرحلة. ذهبتُ وبقي قلبي هناك، فهل أعود فيعود!”.
أبو ليلى عاشقُ المسرح الشغوفُ بكل تفاصيله يدرك بقلبه أن ثمة ضوءاً آخر النفق، يكمل حكايته ويقول: “لكن خلال الرحلة تفتحتْ بالسر زهورُ بخور مريم (الدغنينة) كانت ترفع وجهها وتدفع بتلاتها إلى الخلف مثل تاج الأميرة، تموج برائحة لطيفة لا يدركها البعض. لمستُها فتفتح قلبي، وجاء العيد/يوم المسرح العالمي الذي أقول فيه لمؤسس الفرقة الفنان المعلم زهير العمر ولكل من ساهم وشارك في ذلك الحلم القصير زمنياً؛ العميق الكبير روحياً، كل عام وأنتم بخير. وإن بقي بعض الخير، سيولد من جديد حلمٌ قديم.”
نحن أبناء المسرح ونفتخر!
الأملُ/تلك الزهرة التي جعلَت سامر أبو ليلى يوقن أن حلماً جديداً سيولد… أريجُ ذاك الأمل جعل المخرج مأمون الخطيب -رغم كل حزنه العميق وحسراته الموجعة- يكتب: “ربما أخفقنا، ربما نجحنا، ولكن كنّا نعمل بكل جد وحب كي لا نموت من الداخل. إننا نحاول رغم كل المعوقات والظروف اللوجستية اللا إنسانية والمعاملة السيئة لهذا الفن الرائع. نحاول رغم اختلاف النظرة الحالية للفن المسرحي؛ منذ التأسيس الأوليّ والتأهيل الأكاديمي لطلابِ هذا الفن الذي تحول في زمن السوشال ميديا إلى نمط مملوء بعقلية النجومية الاستهلاكية وعقلية التريند البائس الخالي من المعرفة الحقّة التي تتطلب التربية الفنية والأخلاق المهنية.”
المخرجُ مأمون الخطيب القابض على جمرِ المحاولات المستمرة يأمل في إعادة كل الأرواح الجميلة إلى ذلك الفضاء الساحر، وينهي أمنياته بالقول:
“شكراً لكل من خطا خطوةً واحدة على تلك الخشبة التي اهترأت من إهمال وعقوق وإساءة أقرب المقربين إليها. شكراً لكلّ وفيٍّ من أهلِ الخشبة من عمال وتقنيين وفنانين وفنيين. ربما يأتي ذلك اليوم الذي نقول فيه: نعم نحن أبناء المسرح…ونفتخر!”