كاتب لم تغوه الطمأنينة.. هاني الراهب والرواية كفعل معرفة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- علي الرّاعي:

“ورسمت خطاً في الرمال”.. رواية تكفي وحدها لأن تضع هاني الراهب، ليس في مصاف الكتاب الخمسة، الذين يشغلون الصف الأول في الكتابة الروائية السورية اليوم، وحسب، بل إنها تضع صاحب “الوباء” في المرتبة الأعلى من ذلك الصف، بحيث يرتفع عما بجواره مسافات، ليس لجرأة هذه الرواية فقط، بل حتى لبنيتها، ولفنيتها العالية، التي استثمرت التاريخ والأسطورة والحاضر الواقع لعمارة زخرفها في علاقته المتشابكة والمتماهية بين كل ذلك.. تأتي تلك الرواية كرحلة طويلة ومضنية في كثبان الرمال، عدته في ذلك خيالٌ خصب، يبني على وقعٍ مزدحم بالخيبات، فتأتي العبارات كمشاهد، بحيث لا تعصى على احتواء أي رؤيا، أو رؤية مهما اتسعت، ذلك إن عبارات الراهب، تُسجل ليس بقلم –ربما- بل بقلم مجهز بكاميرا سينمائية، قادرة على الإحاطة بكامل زوايا المشهد.
يأتي ذلك أيضاً بكامل الصدق الفني، وبكل حدة الواقعية وقساوتها..!

بعيداً من مشقيتا

و.. هنا نذكر، إنه في رصيد الراهب تسع روايات، استراح خلال سردها بكتابة القصة القصيرة، وقد فعل ذلك ثلاث مرات، إضافة إلى مئات المقالات والدراسات الصحفية، التي اتسمت جميعها بالتمرد، والمصبوغة بروح التهكم، دون أن تنسى الشاعرية كثوبٍ أو كفستان، لابد أن يلبس أي نوع من الكتابة، لأنه بغيرها لا معنى للإبداع..!
نتذكر اليوم رواية (ورسمتُ خطاً في الرمال)؛ وقد مرّ السادس من شباط مؤخراً، وفيه تستعيدُ الذاكرة الثقافية العربية اسم الروائي السوري الدكتور هاني الراهب (1938–2000)، بوصفه واحداً من الأصوات التي لم تكتب الرواية من أجل الحكاية وحدها، بل من أجل مساءلة الواقع، وكشف ما يعتمل في عمق الإنسان العربي من قلق وانكسار وأسئلة معلّقة.. لقد تعامل الراهب مع الرواية باعتبارها فعل معرفة، لا وسيلة تسلية، بل رأى فيها مساحة حرة لمواجهة التاريخ والمدينة والسلطة والذات معاً.
وُلد هاني الراهب في قرية مشقيتا بمحافظة اللاذقية، ونشأ في بيئة ريفية تركت أثرها الواضح في حساسيته تجاه المكان والإنسان البسيط. منذ سن مبكرة، حاول كتابة الرواية وهو في الرابعة عشرة من عمره، في دلالة على علاقة مبكرة وجدية مع الكتابة. لاحقًا، درس الأدب الإنكليزي في الجامعة الأميركية في بيروت، ونال درجة الدكتوراه من جامعات بريطانية، ما أتاح له الاطلاع على تجارب الرواية العالمية، وأسهم في صقل أدواته الفنية والفكرية.
وإلى جانب شغله في الرواية؛ عمل الراهب أستاذاً جامعياً في جامعة دمشق، ثم في جامعات الكويت وصنعاء، وهي تجارب أتاحت له الاحتكاك المباشر بتحولات المجتمع العربي، وساعدته على بلورة رؤية نقدية للمدينة العربية بوصفها فضاءً للتناقض والصراع، أكثر منها مكاناً للاستقرار والانسجام.

البداية القوية

دخل عالم الرواية بقوة مع روايته الأولى «المهزومون» سنة 1961، التي كتبها خلال ثلاثين يوماً متتالية –كما تروي سيرته الإبداعية- فجاءت نصاً مكثفاً ومشحوناً بأسئلة الهزيمة والاغتراب والخيبة.. وقد حازت الرواية على جائزة مجلة الآداب البيروتية، وأعلنت منذ صدورها عن موهبة روائية مختلفة، تبتعد عن المباشرة والخطابية، وتقترب من الإنسان في ضعفه وتردده وانكساره.
وفي روايته الثانية «شرخ في تاريخ طويل» (1970)، واصل الراهب انشغاله بالتاريخ، لا بوصفه سجلاً للأمجاد، بل كمسارٍ مثقل بالانقطاعات والتشوهات.
بعد ذلك جاءت رواية «ألف ليلة وليلتان» (1977)، التي أعاد فيها النظر في التراث السردي العربي، مستخدماً المفارقة والسخرية، ليكشف المسافة بين الحكاية الجميلة والواقع القاسي.
وكان أن شهدت الثمانينيات نضجاً واضحاً في تجربة هاني الراهب، خاصةً مع صدور رواية «الوباء»، التي تُعد من أهم أعماله وأكثرها إثارة للاهتمام النقدي، بل واسطة العقد في نتاجه الروائي. فـ(الوباء) في هذه الرواية ليس مرضاً عابراً، وإنما صورة مكثفة لفساد القيم، وتردي العلاقات الإنسانية، وانتشار الخوف والصمت.. وقد نالت الرواية جائزة اتحاد الكتاب العرب سنة 1983، واختيرت لاحقاً ضمن أهم مئة رواية في القرن العشرين، لما تنطوي عليه من جرأة فكرية وعمق رمزي.

كلُّ نساء المدينة

بعد ذلك، أصدر روايتي «بلد واحد هو العالم» (1985) و«التلال» (1988)، حيث اتسعت رؤيته لتشمل أسئلة المنفى والانتماء، والعلاقة المعقّدة بين الفرد والعالم، مؤكداً أن مأزق الإنسان العربي جزء من مأزق إنساني أشمل.
أما مشروعه الأوسع، فهو خماسية «كلُّ نساء المدينة»، التي تُعد ذروة تجربته الروائية. صدر منها في حياته أربعة أجزاء: «خضراء كالمستنقعات»، «خضراء كالحقول»، «خضراء كالبحار»، و«خضراء كالحب»، فيما صدر الجزء الخامس «خضراء كالعلقم» بعد وفاته. وفي هذه الخماسية، تتحول المدينة إلى كيانٍ حي، وتغدو المرأة رمزاً للحياة والقهر في آنٍ واحد، حيث تتقاطع المصائر الفردية مع التحولات الاجتماعية الكبرى.
إلى جانب الرواية –كما ذكرنا- كتب هاني الراهب القصة القصيرة، فأصدر مجموعتي «جرائم دون كيشوت» و«المدينة الفاضلة»، وفيهما تتجلى نزعة ساخرة وتهكمية، تكشف خيبة الكاتب من الشعارات الكبرى، وسعيه الدائم إلى فضح الزيف، سواء أكان سياسياً أم ثقافياً.
عُرف الراهب بصراحته الفكرية، ويتجلى ذلك في موقفه من جائزة نوبل، التي رأى فيها جائزة تخضع للاعتبارات السياسية، ولا تعبّر بالضرورة عن القيمة الحقيقية للأدب. هذا الموقف يعكس استقلاليته ورفضه أن يكون الأدب تابعاً لأي سلطة، ثقافية كانت أم سياسية.
رحل الدكتور هاني الراهب في السادس من شباط عام 2000 بعد معاناة مع مرض عضال، لكنه ترك إرثاً روائياً ما زال حياً وقادراً على مخاطبة القارئ العربي اليوم.
فالراهب لم يكن كاتباً يبحث عن الطمأنينة، بل عن الحقيقة، حتى وإن كانت موجعة. وفي زمن تتكرر فيه الهزائم، وتتكاثر فيه الأوبئة، تبدو رواياته وكأنها كُتبت لهذا الحاضر، لتذكّرنا بأن الرواية ليست مجرد حكاية، بل محاولة جادة لفهم العالم، ومقاومة النسيان.

Leave a Comment
آخر الأخبار