الحرية- دينا عبد:
تحول الارتفاع القياسي لأسعار الذهب إلى كابوس يلاحق أحلام الشباب السوريين بالزواج، حيث يعد شراء عدة غرامات من الذهب جزءاً أصيلاً من طقوس الزواج .
لكن في الأونة الأخيرة بات هذا العرف يواجه تحديات غير مسبوقة مع تلك الارتفاعات المتتالية.
حالة من القلق
صلاح شاب (موظف) في العقد الثالث من العمر مقبل على الزواج، أشار إلى أن الارتفاع في أسعار الذهب جعله يعيش حالة من القلق، فهو يخشى من رفض أهل خطيبته تأجيل الزفاف المحدد في عيد الفطر المبارك.
ولفت صلاح إلى أن الاتفاق على شراء الذهب تم في الصيف الماضي، ولكن ثمنه اليوم أصبح فوق قدرته وقدرة أهله (حسب ما ذكر)، قائلاً: أنا موظف راتبي مليون ومئتا ألف ليرة، وخوفي اليوم أن يظنوا أنني غير جاد في الزواج، ولكن في الحقيقة الأسعار هي التي تعطلني.
خبير تنمية بشرية: العادات ليست ثابتة بل تتشكل وفق الظروف
حلم مؤجل
منهل هو الآخر كان حلمه أن يهدي خطيبته عقداً من الذهب ليلة زفافه، يقول: عندما زرت محل الصياغة وجدت أن حلمي بات وزنه ثقيلاً لا يقوى عليه جيبي ولا جيوب أمثالي من الشباب.
استبدال
عبد الرحيم (موظف) اضطر بالاتفاق مع أهل عروسه قبل الزفاف إلى استبدال المصاغ الذهبي بقطع الفضة، وذلك لأنه لا يملك المال لفرش منزله، وبالتالي في حال انتظر هذا الراتب فلم يتمكن على فرش منزله أبداً..
وهنا يشير والد عبد الرحيم إلى أن قصة ابنه ليست استثناء، بل هي جزء من تحول مجتمعي آخذ في التشكيل بالمجتمع السوري في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وتدهور القدرة الشرائية والارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب.
لافتاً إلى أن هذا التحول يتحدى واحدة من أكثر العادات رسوخاً في الزواج، وهي شراء الذهب التي كانت عنواناً للفخر ودليلاً على جدية الشاب واستعداده لتحمل المسؤولية.

الإقبال ضعيف
بدوره أبو ممدوح صاحب محل صياغة بين خلال حديثه لـ”الحرية” أن الإقبال ضعيف جداً، حيث يدخل الشاب ويصاب بالدهشة لأنه بـ10 ملايين لا يستطيع شراء سوى محبسين فقط.
ولفت إلى أن معظم الزبائن يأتون للسؤال ثم يغادرون بصمت، حتى من يقرر الشراء يطلب أقل وزن ممكن أو قطعة واحدة مرافقة للمحبس.
فضة
سحر اتفقت مع خطيبها على شراء محابس فضة، وذلك لأن وضعه لا يسمح له بشراء الذهب فبحسب قولها: كلانا موظفان وأنا لم أعد صغيرة في السن تجاوزت تسعة وثلاثين عاماً، وإذا انتظرت شراء الذهب سيضيع ما تبقى لي من أيام الشباب في الانتظار.
باحثة اجتماعية: النجاح الحقيقي للمؤسسة الزوجية يعتمد على التوافق الفكري وليس على الديون والذهب
القبول والنية
خبير التنمية البشرية محمد حميد يرى أن الذهب ليس شرطاً لصحة الخطبة، الأصل هو القبول والنية الحسنة، والعادات ليست ثابتة بل تتشكل وفق الظروف، والشباب اليوم يفضل تأسيس بيت بسيط على شراء الذهب الذي سيستهلك مع الأيام.

وأشار الخبير إلى أن بعض العائلات ألغت الذهب في حفلات الزفاف، لكنها أصرّت على كتابته ضمن المهر فهو من حق الزوجة.
وختم حديثه بالتأكيد على الأسر المقبلة على تزويج أبنائها وبناتها بضرورة الابتعاد عن الموروثات التي باتت تعوق الاستقرار المجتمعي، ولم تعد تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الحالية ولا مع مستويات الدخول، ونبههم إلى الحد من المغالاة في تكاليف الحفلات ونشر الوعي بأن الزواج الناجح هو الاحترام المتبادل.
تحول جذري
الباحثة الاجتماعية غدران نجم بينت في حديثها لـ”الحرية” أن الأزمات المتلاحقة والارتفاع الجنوني لأسعار الذهب الذي بات يُقاس بملايين الليرات للغرام الواحد أحدثت زلزالاً في منظومة القيم الاجتماعية.
مردفةً: سابقاً كان الذهب يمثل صمام الأمان والمقياس المادي لتقدير العروس، كان ذهب المهر والسوار طقوساً مقدسة لا تكتمل الفرحة بدونها.
أما حالياً فبتنا نشهد تحولاً جذرياً من الزواج الاستعراضي إلى الزواج الوظيفي والأولوية اليوم هي لتأمين البقاء فمنظومة طاقة شمسية أو تأمين إيجار منزل لسنة أصبح لدى الكثير من العائلات والشباب أهم وأبقى من طوق ذهب يُخزن، لقد انتقلنا من ثقافة الوجاهة إلى ثقافة الاستمرار .
وبالطبع هناك تأثيرات اجتماعية لحقت بالشباب السوري نتيجة هذه الضغوط تمثلت بعيشهم حالة من الاغتراب الاجتماعي نتيجة الفجوة بين الدخل والمتطلبات، ويمكن تلخيص الآثار في نقاط كأزمة الثقة التي جعلت الشاب يشعر بالعجز عن بناء مستقبل أسري رغم عمله لسنوات، ما يؤدي لفقدان الثقة بالنفس وبالمنظومة الاجتماعية، بل بات تأخر سن الزواج واضحاً حيث تحول هذا المشروع من حلم إلى عبء يؤجل لسنوات، ما أفرز علاقات طويلة غير مستقرة تنتهي غالباً بفسخ الخطوبة نتيجة الضغط المادي، وبدأ يلوح في الأفق خيار الهجرة، فالسفر هو السبيل الوحيد لتأمين المهر والذهب ما يفّرغ المجتمع من طاقاته الشابة ويشتت الروابط الأسرية.
ناهيك بنشوب توترات بين جيل الشباب الذي ينشد الواقعية، وجيل الأهل الذي ما زال متمسكاً بالموروث، ما يخلق ضغطاً نفسياً هائلاً على الطرفين.
صيّاغ: من يصمم على الشراء يطلب وزناً أقل أو قطعة واحدة
كلام الناس
إضافة لبروز ظاهرة استبدال الذهب بالفضة التي تواجه رفضاً من بعض الأهالي، فهذه النقطة هي محور الصراع بين القيمة المعنوية والاستثمار المادي حيث يرى الأهل أن شراء الفضة أو الذهب البرازيلي مرفوض خوفاً من الانتقاد الاجتماعي (كلام الناس)، ولأنهم يعتبرون الذهب خزينة للزمن يحمي ابنتهم في الملمات.
أما الشباب فلهم وجهة نظر أخرى حيث ترى الفتيات اليوم أن الاستقرار في بيت مستقل أفضل من انتظار سنوات من أجل معدن قد لا يتحقق.
وميدانياً بدأنا نلحظ حلولاً تجميلية مثل استعارة الصيغة من الأقارب لإتمام مراسم الحفل وحفظ ماء الوجه أمام الحاضرين، بينما في الحقيقة تكون الميزانية قد وُجهت لتأسيس المنزل.
تساؤلات مشروعة
وترى نجم كباحثة اجتماعية، أنه عندما يطرح موضوع البدائل أنها ممارسات بدأت تفرض نفسها فعلياً، ونحن بحاجة لمأسستها اجتماعياً فقط فلماذا لا يتم تحويل قيمة المهر من ذهب جامد إلى أدوات إنتاجية أو تجهيزات منزلية (طاقة شمسية، أثاث أساسي) تُسجل في عقد الزواج كحق للزوجة؟
أو.. لماذا لا يتم الاكتفاء بخاتم بسيط وتأجيل شراء البقية كـمشروع مستقبلي للزوجين عند تحسن الأحوال؟
ثم أين مساهمة أسرة كل من العروسين في التأسيس؟
فبدلاً من تحميل الشاب وحده العبء من الممكن إلغاء فكرة المنزل المتكامل من اليوم الأول لصالح التجهيز التدريجي وتقليص المظاهر والاستغناء عن حفلات القاعات المكلفة والاكتفاء بعشاء عائلي بسيط، مع توجيه تلك المبالغ لتأمين سكن أو مشروع صغير.
هذه الأزمة رغم قسوتها، منحتنا فرصة ذهبية لـعقلنة الطقوس، حيث يجب أن يترسخ مفهوم أن الزواج هو استثمار في الإنسان لا في المعدن وأن النجاح الحقيقي للمؤسسة الزوجية يعتمد على التوافق الفكري والرفقة، وليس على الديون والذهب الذي قد يصبح سبباً في تأجيج الصراعات المادية لاحقاً.
عندما يتحول الأهل من مجرد مراقبين ماليين إلى مستشارين تربويين، سنبني أسراً أكثر مرونة واستدامة، قادرة على مواجهة أزمات المعيشة بالحب والتفاهم لا بالشكليات الزائلة.