الحرية – فادية مجد:
مع ذكرى انطلاقة الثورة السورية، التي انتصرت بعزيمة وإرادة أبناء شعبنا الحر الأبي .. نتشارك مع صانعيها ذكرياتهم التي عاشوها من معاناة وتهديد وغربة

ومن قلب ريف صافيتا، وتحديداً قرية عين دابش، يخرج صوتٌ حمل لسنوات طويلة أثقال الموقف والثمن معاً، مدير العلاقات العامة في منطقة صافيتا محمد الطويل الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع آلة القمع بسبب مواقفه الثورية ودوره التنظيمي، الذي كان يمارسه من خارج القطر ، والذي منع من دخوله ، مدة ١٥ عامٱ، وتعرضت عائلته للاعتقال والتهديد ، للضغط عليه لمحاولة إسكاته وثنيه عن دعم الثورة وأبنائها.
ورغم الغربة القاسية وما رافقها من معاناة ووحدة ألم عاشها كما عاشها ملايين السوريين، بقي ثابتاً على قناعته بأن الثورة لم تكن حدثاً عابراً، بل مساراً وجودياً يعيد للسوريين كرامتهم وحقهم في وطن عادل.
واليوم، وهو يستعيد تلك التجربة التي يرويها بكل ما فيها من وجع وصمود، يضع رؤيته لما تحتاجه سوريا بعد انتصار ثورتها، حيث أفاد الطويل ل “الحرية” ، أن ذكرى الثورة السورية لاتزال تحمل في وجدان السوريين مزيجاً عميقاً من المشاعر المتداخلة، يجتمع فيها الفخر بالتضحيات التي قدّمها الشعب مع الألم الناتج عن سنوات القمع والبطش والتدمير، إلى جانب الأمل المستمر في تحقيق الغايات التي خرج السوريون من أجلها.
وأوضح الطويل أن مفهوم “الانتصار” في السياق السوري لا يرتبط حصراً بالبعد العسكري، بل يتجاوز ذلك ليشمل الانتصار الأخلاقي وكسر حاجز الخوف، وهو التحوّل الأبرز الذي طرأ على الشخصية السورية خلال سنوات الثورة، معتبراً أن هذا التحول شكل نقطة مفصلية في وعي المجتمع ، وتطلعه نحو حياة حرة وكريمة.
وأشار إلى أن النظام البائد اعتمد لسنوات طويلة على سياسة التخويف المتبادل بين المكونات السورية، مقدماً نفسه بصورة “حامي الأقليات”، إلا أن الهتافات الأولى للمظاهرات، وفي مقدمتها شعار “واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد”، شكلت بداية الانتصار الحقيقي، إذ أسقطت تلك الرواية ، وفتحت الباب أمام وعي جمعي جديد يدرك أن الاستبداد لا يفرّق بين طائفة وأخرى، بل يستنزف الجميع من أجل بقائه.
وبيّن الطويل أن المعاناة التي عاشها السوريون من نزوح وقصف وفقر واعتقال لم تستثنِ أحداً، ما خلق ما وصفه بوحدة الألم ، وهي رابطة مجتمعية قوية أسهمت في تقليص المسافات بين مختلف الفئات، ومهدت لانتقال المجتمع من حالة التوجس المتبادل إلى حالة الصف الواحد ، مشيرٱ إلى أن هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى عمل وطني مستدام يقوم على العدالة الانتقالية التي تضمن إنصاف الضحايا ومحاسبة المجرمين، وعلى حوار وطني شامل ينتقل من الحديث عن الآخر إلى الحديث معه، إضافة إلى ترسيخ الهوية السورية الجامعة كإطار قانوني وحقوقي يحفظ خصوصيات الجميع تحت سقف دولة القانون.
الطويل أكد أن الثورة لم تكن مجرد مواجهة سياسية، بل كانت ثورة مفاهيم ووعي، إذ أصبح السوري اليوم – في الداخل والشتات – أكثر إدراكاً لحقوقه السياسية وأكثر وعياً بخطورة التجييش الطائفي الذي استخدم لعقود كأداة للسيطرة ، مشددٱ على أن وحدة الصف لا تعني تطابق الآراء، بل الاتفاق على قواعد وطنية تحمي الجميع وتضمن كرامتهم.
وفي سياق الحديث عن التجارب الشخصية، أوضح أنه وعائلته مرّوا بما مرّ به معظم السوريين، حيث تعرّض لاتهامات باطلة بالإرهاب، وتعرّض أفراد من عائلته للاعتقال لمدد متفاوتة بهدف الضغط عليه لتسليم نفسه، إضافة إلى مصادرة الممتلكات والحسابات البنكية ومنعه من دخول البلاد لمدة 15 عاماً ، موضحٱ أن الفساد المستشري آنذاك دفعهم إلى دفع مبالغ مالية كبيرة للإفراج عن أقاربهم، قبل أن يعودوا اليوم إلى البلاد بعد سنوات طويلة، لا منكسِرين، بل منصورون بفضل الله ، للمشاركة مع غيرهم في بناء دولة عادلة وشاملة لجميع السوريين.
وختم الطويل حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب وعياً ومسؤولية مشتركة لصياغة مستقبل يليق بتضحيات السوريين جميعاً، وأن بناء سوريا الجديدة يبدأ من الإيمان بأن العدالة والمواطنة هما الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني جامع.