الحرية- إلهام عثمان:
مع صدور القرار رقم “13” عن وزير الإدارة المحلية، تبرز تساؤلات عديدة حول مدى جاهزية المحافظات لاستيعاب هذه الصلاحيات، وانعكاساتها على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والتنمية المحلية، فكيف يمكن للمحافظات تحقيق التوازن بين ممارسة صلاحياتها الجديدة بكفاءة، وضمان الشفافية والمساءلة في إنفاق المال العام وتنفيذ المشروعات التنموية؟
انطلاقة نظرية واعدة
يستهل الخبير الاقتصادي والمستشار الدكتور زياد أيوب عربش، ومن خلال حوار خاص لـ” الحرية” بالإشارة إلى أن القرار، نظرياً.. يمثل خطوة حقيقية نحو استغلال طاقات المجتمع وتمكين الإدارات المحلية، وتعزيز استجابتها لمتطلبات التنمية ضمن اللامركزية المقررة بالقانون رقم 107 لعام 2011، وبالتالي تحقيق نقلة في ديناميكيات ما بعد النزاع نحو التنمية.
ويضيف: آن الأوان لتخرج سوريا من الدائرة الضيقة، بل الحلقة المفرغة، من اختلالات التنمية والتهميش، فبعد عقود من انسداد آفاق التنمية، ورغم قانون الإدارة المحلية الواضح (107/2011)، الذي يعطي الصلاحيات الكاملة للبلديات والمدن بوضع وتنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استحداث هيئة التخطيط الإقليمي، فإن استغلال الموارد وتحقيق استدامة التنمية ما زالا بعيدي المنال تخطيطياً وبالتالي تنفيذياً، وما يُرسم من خطط على مستوى المحافظات لا يعكس مفاهيم وأساسيات اقتصاديات المحليات وديناميكيات ما بعد النزاع.
تأثير تفويض الموافقات الاستثمارية
حول انعكاس تفويض المحافظين بالموافقة على عقود البيع والإيجار والاستثمار، على سرعة تنفيذ المشروعات وجذب رؤوس الأموال، يرى عربش أن هذا التفويض يُعزز سرعة التنفيذ من خلال تقليل الاعتماد على الموافقات المركزية في دمشق، ما يقصر المدة الزمنية للمعاملات إلى أسابيع بدلاً من أشهر، ويجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية نحو المحافظات ذات الإمكانيات الاقتصادية، مثل المناطق الصناعية أو الزراعية.
كما يشير عربش إلى أن هذا التفويض يغطي عقوداً تصل قيمتها إلى 15 مليار ليرة سورية، ما يسمح بمرونة في جذب استثمارات متوسطة الحجم دون عوائق إدارية، مع الاستفادة من معرفة المحافظين الميدانية بالاحتياجات المحلية لتحسين جاذبية الفرص الاستثمارية.
وكنتيجة لذلك، يتوقع عربش أن زيادة في تدفق الاستثمارات بنسبة ملحوظة في محافظات مثل
حلب أو ريف دمشق، حيث يصبح التنفيذ أسرع وأكثر استجابة للسوق.
قدرات المحافظات المؤسسية
أما بخصوص مدى امتلاك جميع المحافظات للكفاءات المؤسسية نفسها، فيقر عربش بعدم امتلاك جميع المحافظات نفس الكفاءات المؤسسية، إذ تفتقر محافظات الشمال الشرقي أو الريفية إلى كوادر فنية متقدمة مقارنة بدمشق أو حلب، ما قد يؤدي إلى بيروقراطية جديدة إذا لم يُدعم التفويض بتدريب مكثف وأنظمة رقمية موحدة.
ويقترح لتجنب التعقيدات، ربط الصلاحيات بمعايير أداء وطنية، مثل منصات إلكترونية لتسجيل الموافقات، لضمان عدم إعاقة الاستثمار بسبب نقص الخبرة، مع التركيز على نقل الخبرات بين المحافظات القوية والضعيفة.
ويؤكد أن نجاح هذا التفويض يعتمد، في الواقع، على برامج تطوير القدرات، كما حدث في تجارب ما بعد الحرب.
ضمان رؤية استثمارية وطنية
وحول كيفية التوفيق بين استقلالية المحافظات ووحدة الرؤية الوطنية، يشدد عربش على أن توحيد الإطار التخطيطي المتناغم للتنمية الوطنية، الذي تُحدد من خلاله الأولويات القطاعية (طاقة، زراعة)، ويُقر من المجلس الأعلى للإدارة المحلية، هو الضمانة الأساسية.
ويضيف: إن هذا المجلس يصدق على الرؤى المحلية والحوافز المقدمة للمستثمرين ضمن إطار وطني، كما هو معمول به في نماذج اللامركزية الأردنية أو التركية.
كفاءة الإنفاق الاستثماري والجاري
أما فيما يتعلق بتأثير التفويض على كفاءة تخصيص الموارد وجودة المشروعات، يرى عربش أن تفويض تصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري يحسن كفاءة التخصيص عبر قرارات محلية تستجيب للاحتياجات الفعلية، ما يرفع جودة المشروعات بتقليل الهدر الناتج عن التأخير المركزي، خاصة في مشاريع البنية التحتية مثل الطرق أو المياه،
وهنا يشير عربش إلى أن الصلاحيات تصل إلى 500 مليون ليرة للمشاريع الفردية، لكن ذلك يتطلب رقابة مالية محلية قوية لتجنب الفساد، والنتيجة المتوقعة، برأيه، هي مشاريع أكثر استدامة مدعومة ببيانات محلية دقيقة.
جودة الخدمات والبنية التحتية
وحول انعكاس القرار على الخدمات المقدمة للمواطنين ومشروعات البنية التحتية، يوضح عربش أن تفويض الإنفاق الاستثماري والجاري ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات عبر تخصيص أسرع للميزانيات نحو الصيانة والتوسعة، ما يؤدي إلى نقلة نوعية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية كشبكات الكهرباء أو الصرف الصحي، وخاصة في المحافظات النائية.
ويضيف: مع تسريع الإجراءات، ستشهد المحافظات تحسناً في توافر الخدمات اليومية، لكن النجاح يبقى مرتبطاً بتدريب الكوادر على أدوات التخطيط الحديثة، وبما يعزز رضا المواطنين ويحفز الاستثمار الخاص.
وبخصوص قدرة القرار على تقليص الفجوة بين المحافظات الغنية والفقيرة، يرى عربش أن القرار يسهم جزئياً في ذلك عبر منح صلاحيات متساوية، لكن المحافظات الأكثر جاذبية ستبقى الأقوى في جذب الاستثمار.
آليات الرقابة والمساءلة
وهنا لفت عربش إلى ضرورة أن ترافق الرقابة الاقتصادية آليات: مثل تقارير دورية لوزارة الإدارة المحلية، وتدقيق مالي من الجهاز المالي للرقابة المالية، بالإضافة إلى نشر العقود إلكترونياً لمزيد من الشفافية، ما يمنع الهدر في المال العام, كما يُشترط موافقة مجلس الشعب على الميزانيات الاستثمارية الكبرى، مع عقوبات على الانتهاكات وفق قانون العقود، هذه الآليات وحسب رؤيا عربش: إذا طُبقت بشكل صارم، تضمن مساءلة المحافظين أمام المجتمعات المحلية عبر لجان رقابية.
التوفيق البيئي مع الاستثمار
يتوفق التوازن بمنح المحافظين صلاحيات في الإجراءات البيئية كاعتماد المخططات التنظيمية وإغلاق المنشآت المخالفة هذا ما بينه عربش، ما يسمح بمراجعات محلية سريعة تجمع بين جذب الاستثمار وفرض معايير بيئية وطنية موحدة، ويُطبق ذلك عبر تقييمات أثر بيئي مبسطة قبل الموافقات، مع حوافز للمشاريع الخضراء، مستوحى من تجارب الاتحاد الأوروبي في اللامركزية البيئية. هكذا، يصبح الحفاظ على البيئة شرطاً للاستثمار دون إعاقة التنمية.
صلاحيات موسعة
من جهتها ترى م. والباحثة الإجتماعية – مدير معهد متوسط للاقتصاد الأسري رنا رنجبال، حول انعكاس تفويض صلاحيات الإنفاق الاستثماري والجاري للمحافظين على جودة الخدمات، أن وزارة الإدارة المحلية والبيئة تسير بالقرار رقم 13 على خطى العديد من الوزارات التي تسعى إلى تخفيف العبء عن الإدارة المركزية، ويأتي القرار ليفتح المجال أمام كل محافظة لإدارة شؤونها الخدمية والاستثمارية عبر توسيع الصلاحيات، ما سيكون له دور كبير في تسريع اتخاذ القرارات وحل المشكلات محلياً، دون الحاجة إلى الرجوع إلى الهرم التنظيمي المركزي الذي غالباً ما يتخذ قرارات موحدة لكافة المحافظات، والتي لا تنسجم مع الحلول المطلوبة لكل محافظة على حدة، بل تفرض تساوياً شكلياً لا يعكس الاحتياجات الفعلية.
وتؤكد رنجبال أن القرار 13 سيسهم في تحسين جودة الخدمات المطلوبة لكل محافظة وفقاً لطبيعتها الخاصة، ما يعزز رضا المواطنين ويرفع كفاءة الأداء الحكومي.
تنمية متوازنة
وفيما يتعلق بقدرة القرار على تقليص الفجوة التنموية بين المحافظات، تشير الباحثة إلى أن تحقيق هذا الهدف يتوقف على قدرة كل محافظة، كمؤسسة إدارية، على تبني استراتيجية صحيحة ترتكز على مواردها، وفهمها لطبيعة المحافظة وأدوات الجذب الاستثماري المتاحة، وتضيف أن جميع المحافظات السورية تمتلك الكثير من مقومات الاستثمار التي تتميز بها كل منها، لكن المفتاح يكمن في كيفية استثمارها، وتبدأ عملية الاستقطاب بالبدء بإصلاحات هيكلية وإدارية، وتبني سياسات تبسيط إجراءات الاستثمار بعيداً عن التعقيدات، ثم المفاضلة بين مبادرات التنمية بما يتناسب مع طبيعة كل محافظة، لضمان استدامة المشاريع وزيادة الطلب الاستثماري.
مشاركة مجتمعية
أما بخصوص صلاحيات “إخلاء المساكن العائدة ملكيتها للوحدات الإدارية”، فتصف رنجبال القرار بأنه خطوة جيدة نحو إعادة هيكلية تنظيمية أكثر استقلالية في إدارة الشؤون الخاصة، قادرة على تلبية الاحتياجات المحلية بشكل أسرع وأكثر ملاءمة لظروف كل محافظة.
وتستدرك بالقول: ما نعول عليه هو قدرة كل محافظة، بأنظمتها، على تبني مسؤولياتها في تحقيق التنمية المحلية، والعمل على إشراك المواطنين من خلال مجالسهم المنتخبة في اتخاذ القرارات المناسبة، سواء في اختيار الاستثمارات أو آليات التمويل أو غير ذلك، بما يخدم مصلحة المحافظة ويسهم في تحسين واقعها الخدمي والاستثماري.