أجواء رمضان في اللاذقية.. تقاليد تجمع الجيران وتعزز التكافل

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – آلاء هشام عقدة:

مع اقتراب أذان المغرب يومياً في شهر رمضان، تستعد منازل أهالي اللاذقية لاستقبال لحظة الإفطار، ويبرز طقس “سكبة رمضان” كأحد أبرز مظاهر التواصل الاجتماعي والتكافل بين الجيران. هذا التقليد الرمضاني يعكس عمق الروابط الأسرية والاجتماعية التي يحافظ عليها السوريون رغم التحديات الاقتصادية.

العادات الرمضانية إرث ثقافي واجتماعي

الأستاذ المساعد في قسم علم الاجتماع بجامعة اللاذقية هند العقيبة ، بينت لـ”الحرية” أن العادات الاجتماعية تمثل “حقيقة من حقائق الوجود الإنساني وظاهرة متجذرة في حياة الإنسان منذ القدم، وتأتي أهميتها في ضبط وتوجيه السلوك وتعزيز القيم الاجتماعية”.

وأضافت العقيبة أن “العادات الرمضانية تعكس هوية وثقافة الشعب، وتبرز أهميتها الاجتماعية من خلال غرس قيم التكافل وتقوية الروابط الأسرية والمجتمعية”. ففي رمضان، يحرص أفراد العائلة على الاجتماع حول مائدة الإفطار، وتبادل الدعوات بين الأقارب والجيران، بما يعزز من وحدة الأسرة وتماسك المجتمع المحلي.

“سكبة رمضان”… جسر التواصل بين الجيران

من أبرز الطقوس الرمضانية في اللاذقية، طبق “السكبة”، وهو عادة يقوم على تبادل الأطعمة بين الجيران. ومع اقتراب أذان المغرب، يقوم الأطفال بإيصال الطبق إلى الجيران، ليعود إليهم بصنف آخر، لتكتمل موائد الإفطار بتنوع أطباق تعكس الثقافة المحلية وروح المشاركة.

وتشير العقيبة إلى أن “السكبة ليست مجرد تبادل للطعام، بل هي ممارسة تهذب النفس وتقوي الروابط الاجتماعية، كما أنها وسيلة لتقديم المساعدة للفقراء والمحتاجين”. رغم التحديات الاقتصادية، يظل هذا التقليد حاضرًا، وإن كانت العطايا والعزومات أقل من السابق.

النشاط الخيري والتطوعي… رمضان شهر العطاء

إلى جانب الطقوس الأسرية و”سكبة رمضان”، يشهد شهر رمضان في اللاذقية نشاطاً اجتماعياً واضحاً، يتمثل في تقديم المساعدات والوجبات للمحتاجين. فخلال هذا الشهر، يتكثف العمل الخيري والتطوعي، إذ تتعاون الجمعيات الشبابية ومؤسسات المجتمع الأهلي مع الأسر لتوزيع الإفطار على الفقراء والمحتاجين، بما يعكس البعد الإنساني والروحي للشهر الفضيل ويؤكد على قيم التكافل الاجتماعي التي يحرص عليها المجتمع السوري رغم التحديات الاقتصادية.

وتوضح العقيبة أن “النشاط الخيري أصبح أكثر تنظيمًا، مع استمرار الالتزام بين الأقارب والأسرة، وإن بشكل أبسط مقارنة بالماضي”. هذه المبادرات تعكس رغبة المجتمع في الحفاظ على إرثه الاجتماعي والثقافي، وتعزز من قيم التضامن والتكافل، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

الطقوس الرمضانية بين الماضي والحاضر

الزينة الرمضانية على الشرفات والشوارع تضفي جمالية على المدينة وتعبّر عن فرحة الأهالي بقدوم الشهر الفضيل، وهي عادة حديثة نسبياً، بينما لا يزال المسحراتي حاضراً في أحياء اللاذقية، مع استمرار تقليد مدفع رمضان الذي يعلن دخول وقت الإفطار.

أما الموائد الرمضانية، فقد شهدت تغيرًا في آليات تنظيمها؛ ففي الماضي كانت تقدمها الأسر الميسورة أو رجال الدين في ساحات الحي، أما اليوم فتشرف عليها جمعيات أهلية أو مؤسسات حكومية في ساحات الجوامع، ما يعكس التحول من المبادرات الفردية إلى الجماعية، مع الحفاظ على روح التكافل.

كما تحرص بعض الأسر على تقديم وجبة الإفطار في اليوم الأول من رمضان بطريقة رمزية، بأن تكون “بيضاء”، أي طبق أرز أو وجبة تحضّر باللبن، في إشارة إلى رغبتهم في أن تكون أيام الشهر كلها خيراً وبركةً.

استمرار الإرث الرمضاني رغم التحديات

رغم التباعد المكاني بين أفراد الأسرة أو سفر بعضهم، واستمرار الضغوط الاقتصادية، يظل أهالي اللاذقية متمسكين بعادات رمضان، من اجتماع الأسرة حول الإفطار، إلى تبادل السكبة، والنشاطات الخيرية، والزينة، والمسحراتي. هذه الممارسات، حسب العقيبة، “تعكس رغبة المجتمع في الاستمرار بالإرث الثقافي والاجتماعي الذي تناقلته الأجيال”.

رمضان في اللاذقية إذًا ليس مجرد شهر عبادة وطاعة، بل مناسبة لإحياء التماسك الاجتماعي، وتعزيز الروابط الأسرية، وتجديد العادات الرمضانية التي تمنح المدينة روحها التقليدية، حتى في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

Leave a Comment
آخر الأخبار