الحرية – سامي عيسى:
المتابع لأسواقنا المحلية، وما يحدث فيها من اضطرابات سعرية، وظواهر تسويقية تثير تساؤلات كثيرة، لكن قبل هذه التساؤلات، تعود بنا الذاكرة إلى السنوات الماضية، التي ترسم تكرار هذه المشاهد من الفوضى في الأسعار وانتشار البسطات، التي تبيع الأغذية بصور مخالفة للشروط الصحية والإنتاجية وحتى البيئية، رغم كل محاولات المعالجة، وإيجاد الحلول لها لكنها بقيت واستمرت، لكن ليس بكثافة وانتشار اليوم الأمر الذي يفرض معالجة أكثر فاعلية من قبل الجهات المعنية وخاصة وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومحافظة دمشق وغيرها من الجهات المعنية..
متفق عليه..!
خبير: إعادة ترتيب أولويات العمل الرقابي بما يتماشى مع التوجه الجديد للاقتصاد الوطني ويخدم سلامة المستهلك والأسواق ..
وبالعودة إلى التساؤلات فان جميعها يتعلق، بضبابية التسعير، والتكلفة الفعلية التي تؤسس لعملية التسعير، وتحدد أركانها للوصول إلى سعر موحد للسلع المعروضة في الأسواق، لكن للأسف الشديد كل سلعة تحمل أكثر من سعر في نفس السوق الواحد، وحتى المحال المجاورة، نذكر على سبيل المثال محل يبيع الفروج الحي بسعر 26 ألف للكيلوغرام الواحد، وعلى بعد أمتار بزيادة 3000 ليرة عن السعر المذكور، والمادة نفسها تباع في حارة مجاورة بسعر 30 ألف ليرة، علماً أنّ مصدر المادة واحد، وعملية التسويق تمت بسعر واحد لجميع المحال التجارية، وهذا الأمر ينطبق على معظم المواد المطروحة في الأسواق على اختلافها وتنوعها ..!
“صحيفة الحرية” سجلت جولة سريعة على بعض الأسواق وزارت بعض المحال التجارية للاستفسار حول تضارب هذه الأسعار بين محل وآخر، ” التاجر وسيم” قال إن المادة ومصدرها واحد، وحتى السعر موحد للجميع من قبل المصدر، لكن الاختلاف في سعر المبيع بين ” محل وآخر” يعود لصاحب المحل، فهناك تكاليف تضاف على سعر الفروج الحي مثل” تنظيف- كهرباء- مياه- أجور محل- وهوامش ربح وغير ذلك كثير.. وبالتالي البعض يختصر هذه التكاليف والإضافات على السعر ويكتفي بقليل منها ويحدد السعر المناسب له ، لهذا السبب يظهر الفارق بين تاجر وآخر، وتدرك من خلال القراءة أن “الأمر متفق عليه” ضمنياً فيما بين التجار أنفسهم.. !
نفس الهوية
وهذه الظاهرة تنطبق على بقية المواد التي تباع وخاصة الخضراوات الفواكه والبقوليات والزيوت وغيرها، أيضاً تباع بأسعار مختلفة، تحمل عناوين المضاربة أكثر من عناوين المنافسة، حسب رأي ” التاجر عبد الله حسون” والتي عادةً ما تكون لصالح المستهلك، لكن تأثيرها بسيط بسبب شح السيولة وتراجع القوة الشرائية للمواطن ..!
يذكر “حسون” مثال مادة البندورة تباع بسعر أربعة آلاف ليرة للكيلوغرام الواحد، ونفس المادة والجودة تباع بسعر 6000 ليرة، بنفس السوق، وتباع بسعر سبعة آلاف ليرة في سوق آخر، والحال ذاته ينطبق على مادة البطاطا تباع بأسعار مختلفة في نفس الحي والسوق الواحد، والذي يتحكم بالسعر أكثر مزاجية البائع، والمضاربة التي يفرضها بعض التجار لكسر الأسعار بقصد الحصول على الزبائن، وتوسيع دائرة التسويق، وغيرها من المصالح الشخصية التي يؤثر بعضها سلباً على استقرار التسعير، لكن نتيجتها إيجابية على المستهلك في ظل ظروف معيشية صعبة ..
أهل الخبرة
أهل الخبرة لهم رأي فيما يحدث في الأسواق، من عدم استقرار في الأسعار، وتوافر المواد بالصورة المطلوبة، وبالتالي هم القادرون على التوصيف، ووضع الحلول،” الخبير الاقتصادي المهندس جمال شعيب” قال لابدّ من وضع أسس للرقابة على الأسعار، في ظل الانفتاح وتواجد منتجات كثيرة ومتعددة المنشأ وخاصة الغذائية منها على سبيل المثال: توزيع العاملين في الحقل الرقابي في كافة أحياء مدينة دمشق بشكل مكثف، خاصة في هذه الأيام للرقابة على الأسعار “الاعلان عن السعر” أما المنافسة فهي التي تحدد السعر، وتوفر المادة وإعطاء الحرية للمستهلك، باختيار السلعة التي تتناسب مع قدرته الشرائية، ومتابعة المواد المنتهية الصلاحية، أو المجدد صلاحيتها وسحبها من الأسوق، ومعاقبة المخالفين، إلى جانب سحب عينات من المواد الغذائية المتواجدة في المحال التجارية، وتحليلها لبيان مدى مطابقتها للمواصفات الفنية، والجودة وسحب المواد المخالفة وإتلافها بصورة قانونية..
تحتاج للدعم
وأضاف شعيب أن الدور الحالي للرقابة هو متابعة توافر المواد بكميات جيدة تفي حاجة السوق، وتحقق المنافسة الشريفة، ومتابعة الجودة والمواصفة الفنية للمواد الغذائية، مع وجوب دعم قطاع الرقابة، وخاصة العاملين فيها وزيادة عددهم، حتى يكون هناك فاعلية بالرقابة على الأسواق، وتحقيق الغاية المرجوة في ضبط السوق، وتأمين السلامة لكافة الأطراف..
أما فيما يتعلق بظاهرة انتشار البسطات والأغذية المكشوفة والمخالفة، وحالة الفوضى التي تحدثها فقد أكد “شعيب” أنّ هذه الظاهرة ليست بالجديدة، لكن انتشارها كان محدوداً، وتتركز في بعض الأماكن المخصصة لها، لكن اليوم زادت من انتشارها بصورة واضحة، وآن الأوان لمكافحة هذه الظاهرة، بالتعاون مع محافظة دمشق والأمن العام والجهات المسؤولة الأخرى ومصادرة هذه البسطات، ومنعها من بيع مثل هذه المنتجات المخالفة، حرصاً على صحة المواطن، أو معالجتها بصورة قانونية من خلال تخصيص أماكن خاصة لها، تتمتع بالشروط المطلوبة، والتي تكفل سلامة المواد التي تباع من خلالها، لكون هذه البسطات تشكل مصادر دخل لعائلات كثيرة، وخاصة في ظل تردي الحالة المعيشية والظروف الصعبة التي يمر بها بلدنا..
معالجة فورية
وهذه الظاهرة تقودنا لظاهرة أخرى ظاهرة البيع عبر السيارات الجوالة، خاصة المواد الغذائية” والتي عادت للانتشار بشكل كبير في الحارات والأحياء وخاصة الشعبية منها، ضمن ظروف تسويقية سيئة جداً، حيث أكد “شعيب” أن هذه الظاهرة كانت مألوفة سابقاً، لكن كانت تعالج وفق الأصول القانونية، واليوم عادت بصورة أوسع، وهذه تحتاج إلى معالجة فورية، من خلال تشديد الرقابة التموينية عليها وتسيير دوريات متخصصة، مهمتها ملاحقتها وفحص المواد الغذائية الموجودة على متن هذه السيارات، ومنع عرض أو بيع المنتجات المكشوفة التي تكون عرضةً للجراثيم والملوثات، وكذلك فحص تاريخ الصلاحية للمادة ومنع بيع منتجات تتأثر بالظروف الجوية كالحرارة والغبار، ومراقبة الإعلان عن السعر حتى يتمكن المستهلك من معرفة هوية المنتج من سعره، فإذا كان متدنياً، يعني أنّ السعر لا يتناسب مع الجودة وسلامة المنتج واستهلاكه..
وبالتالي اليوم الأسواق بحاجة إلى إعادة ترتيب من جديد، ووضع أولويات في العمل الرقابي، تعيد للرقابة الدور الصحيح في الحفاظ عليها ضمن التوجه الجديد للاقتصاد الوطني، وإستراتيجية الحكومة في تأمين سلامة الأسواق والمستهلكين على السواء..