أسواق متوحشة ..!

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- عمران محفوض: 

طوال نحو ثلاثين سنة من عمري الوظيفي والمشهد ذاته يتكرر .. الحكومة تزيد رواتب العاملين بالدولة؛ بالمقابل السوق يلتهم الزيادة “دبل” حتى قبل أن يقبضها الموظفون.
كانت الزيادات أيام الحكومات السابقة بين 15 و50% بالمجمل، وكانت معدلات رفع الأسعار التي تواكب تلك الزيادات نحو 30 أو 100% أحياناً .. اليوم الواقع على سياقه.. ترتفع الرواتب ويقفز الغلاء، وكأن هذه المعادلة في سباق مارثوني الفائز الوحيد فيه؛ وعلى مدى سنوات؛ هو الغلاء تاركاً خلفه راتباً منهكاً لا يستطيع قطع أكثر من ربع مسافة السباق الشهري؛ ثم يسقط أرضاً بلا حركة .. هذا الواقع المرير الذي عاشه الراتب سابقاً يتكرر اليوم، ولكن بشكل مختلف حيث أصبح يكفي لشراء ربطات الخبز  ودفع فواتير الكهرباء والاتصالات وأجور انتقال إلى مكان العمل للموظف وإلى المدارس والجامعات لأبنائه.
لسنا الآن بصدد شرح واقع المعيشة لمعظم الموظفين بل لتبيان السبب الذي يجعل الموظف في حالة “نق” دائمة رغم زيادات الرواتب والأجور التي وصلت إلى نحو “550%” – وفق تصريحات وزارة المالية – خلال العامين الجاري والسابق، لعله الواقع ذاته الذي دفع أحد الوزراء الحاليين إلى التصريح علناً بعد شراء حاجات أسرته في أيام عيد الفطر المبارك الماضي “أن الأسعار في أسواقنا مرتفعة جداً”، وهو تصريح متناغم مع ما قاله وزير في حكومة سابقة عندما خاطب التجار في عقر غرفتهم “ألا يكفيكم أرباح بحدود 100% وحتى 300% أنتم تربحون من وراء تجارتكم أكثر من 1000% وهذا لايجوز لا أخلاقياً ولا قانونياً ..”.
لن أذكر ما نقل عن وزير آخر عندما ناشد ضمائر التجار وأخلاقيات عملهم لخفض الأسعار قبل تطبيق القوانين عليهم .. ورغم مضي فترة ليست بالقصيرة على هذا الكلام  مازالت الأسواق في حالة فلتان، والغلاء يتوحش ملتهماً “الأخضر واليابس” بلا رحمة ولا اكتراث بمعاناة أسر الموظفين التي تفقد كل شهر مادة أو اثنتين من أساسيات حياتها المعيشية اليومية.
إن ترك الموظف يواجه الغلاء لوحده لا يحدث إلا عندنا رغم أن المتضرر الأول والأخير من تغول هذا الغلاء هو خزينة الدولة التي تضطر مع كل قفزة جديدة للتضخم السعري إلى السعي لجمع الأموال الكافية، وتحويلها لزيادة الرواتب والأجور، وكأن المالية في كل مرة تسدد فاتورة الغلاء إلى التجار عبر وسطاء هم الموظفون.
مع تكرار هذه الواقعة مرات ومرات كان من باب أولى أن تبتدع الحكومة صيغة تشريعية أو إجرائية فاعلة للجم شهية التجار والمنتجين على تثمين الغلاء ليكون ذبيحة العيد القادم؛ والعمل على عدم ترك  الأسواق فالتة من كل قيد تتصرف كوحش كاسر لا يترك للموظف زيادة راتب إلا ويلتهمها قبل أن تولد.
لم يبق مساحة في هذا الرأي لسرد الحلول، خاصة أن الكثير من المحللين الاقتصاديين وحماة المستهلكين والإعلاميين قد ذكروها سابقاً، ونشروها في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي مرات عدة دون أن تلقى آذاناً مصغية، لذلك نكتفي اليوم بالتأكيد على تلك المطالبات بتطبيق صارم لمواد قانون حماية المستهلك وإجراءات الرقابة على عمليات الإنتاج والبيع والاستهلاك، وذلك أبسط ما يمكن أن تفعله الجهات المعنية قبل ان تدخل زيادة الرواتب الأخيرة حيز التنفيذ الفعلي.

Leave a Comment
آخر الأخبار