الحرية – بشرى سمير:
لا تزال تشكل أزمة اللاجئين السوريين واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، حيث فرّ أكثر من 13 مليون سوري من ديارهم منذ بداية الحرب التي شنها النظام البائد على الشعب السوري الأعزل عام 2011.
ويعاني الكثير من اللاجئين بعد تحرير سوريا من أوضاع مالية ومعيشية صعبة، وخاصة أولئك الذين لديهم أمراض مزمنة أو مستعصية وتحتاج فترات طويلة للعلاج وكلفتها عالية.
يشير أحمد النجم وهو لاجئ سوري في الأردن إلى معاناته في معالجة ابنته مريضة السكري إلا أنه تكفل بمصاريف علاجها على نفقته الخاصة وبمساعدة أقاربه وذويه، رغم ضيق حاله وصعوبة معيشته، ما تسبب في تراكم الديون والذمم المالية المترتبة عليه نتيجة تفاقم حالة ابنته الصحية، وتجاوزت هذه الذمم المالية حدود طاقته وقدرته على السداد كعامل عادي معيل لأسرته، وتالياً لا يمكنه مغادرة الأردن والعودة إلى الوطن لمعالجة ابنته بسبب وجود ذمم ماليه طبية كبيرة عليه.
ويضيف النجم: “لا يمكنني إرسال ابنتي بمفردها لتلقي العلاج في سوريا، وقد حاولت ذلك، ولم يسمح بذلك في مركز الحدود الأردني بسبب وجود ذمم مالية مترتبة للمشافي الأردنية، ولا يمكنني العودة إلى بلدي الذي غادرته منذ أكثر من 14 سنة للسبب نفسه، وقد تواصلنا أنا والكثيرين من السوريين اللاجئين مع السفارة السورية في الأردن للمساعدة في حل المشكلة ولم يتحقق أي شيء حتى الآن وننتظر الفرج من الله”.
حالة النجم هي واحدة من حالات كثيرة يعيشها اللاجئون في دول اللجوء ومعاناتهم مضاعفة بسبب مرضهم وتراكم الذمم المالية، وهم عاجزون عن سدادها، ومحاصرون بين واقع لاجئ قاس وفرص عمل قليلة ودخل محدود، ووطن لا يستطيعون العودة إليه.
الوضع الاقتصادي والاجتماعي
من جانبه الخبير في التنمية البشرية محمد البيطار أشار إلى أن الدول الجوار وحدها تستضيف ما يقارب 2.3 مليون سوري، بينهم أكثر من 970 ألفاً مسجلين كلاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعيش أكثر من 80% من اللاجئين السوريين في هذه الدول تحت خط الفقر، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، ويعتمد معظمهم على المساعدات الإنسانية التي تتناقص عاماً بعد عام بسبب ضعف التمويل الدولي.
ولفت إلى أن تقييدات العمل الرسمي تدفع كثيرين إلى سوق العمل غير المنظم، حيث الأجور المتدنية وغياب الضمانات.
خبير تنموي : يعيش أكثر من 80% من اللاجئين السوريين في دول اللجوء تحت خط الفقر
النظام الصحي أعباء لا تطاق
من جانبه الدكتور مازن أبو برغل طبيب عام وخبير إغاثة بين أن اللاجئين السوريين في دول اللجوء يواجهون نظاماً صحياً مثقلاً بالتحديات، بينما يتمتعون بإمكانية الوصول إلى المرافق الصحية العامة، فالخدمات غير مجانية بالكامل إلا للحالات الطارئة والحالات المسجلة، وغالبية اللاجئين يقعون خارج نظام الدعم الصحي الشامل، ما يدفعهم إلى تحمل تكاليف العلاج من أدوية وفحوصات وعلاجات متخصصة.
سجناء المعاناة
وأضاف: تتمثل المعاناة الأقسى في فئة المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو حالات صحية معقدة كالسرطان وأمراض القلب والكلى والعمليات الجراحية الكبرى، و تتراكم فواتير العلاج لتصل إلى آلاف وربما عشرات الآلاف من الدولارات، وهو مبلغ خيالي بالنسبة لعائلة لاجئة تعيش على أقل من 1000 دولار شهرياً.
قصص إنسانية
وبين أبو البرغل أن هناك مرضى السرطان الذين يحتاجون إلى جلسات علاج كيميائي وإشعاعي باهظة التكلفة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مرضى الكلى الذين يعتمدون على غسيل منتظم، تصل كلفة الجلسة الواحدة إلى 150 دولاراً، وهناك الأطفال ذوو الإعاقات والأمراض الوراثية الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة وأجهزة طبية.
مبيناً لأن هؤلاء المرضى يعيشون في حالة دائمة من القلق، ليس فقط بسبب المرض، بل بسبب الديون المتراكمة التي تحول بينهم وبين متابعة علاجهم بشكل كامل. كثيرون يتخلون عن العلاج، أو يلجؤون إلى أدوية بديلة أقل فعالية، أو يبيعون ممتلكاتهم القليلة لمواجهة النفقات.
طبيب عام يقترح : تخصيص نسبة من أموال إعادة الإعمار في سوريا لعلاج المرضى اللاجئين
العودة مستحيلة
وحول عدم عودتهم بين الدكتور أبو البرغل أن العودة إلى سوريا لا تمثل حلاً للمرضى السوريين المحملين بالديون لعدة أسباب:
عدم السماح لهم من قبل دول اللجوء لحين تسديد الديوان المتراكمة عليهم وبسبب انهيار النظام الصحي السوري، حيث دمرت أكثر من 50% من المرافق الصحية وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، وعدم وجود ضمانات لاستمرار العلاج أو إمكانية تحمل تكلفته.
وأشار إلى تحمل الحكومة السورية مسؤوليات أساسية تجاه مواطنيها اللاجئين، وخاصة المرضى منهم، والدستور السوري يضمن حق الرعاية الصحية للمواطنين، وهذه المسؤولية تمتد إلى المواطنين أينما كانوا، خاصة في أوضاع استثنائية كاللجوء، ويمكن للحكومة السورية تقديم الدعم من خلال إبرام اتفاقيات مع الدول المضيفة لتغطية جزء من الفواتير الطبية للمواطنين السوريين، وتوفير وثائق سفر وتصاريح عودة مضمونة للمرضى دون مخاطر قانونية، والعمل على إطلاق برامج طبية عبر سفاراتها وقنصلياتها في الدول المضيفة، مقترحاً التنسيق مع منظمات إقليمية ودولية لتسهيل عودة المرضى وتأمين علاجهم، كما يمكن للحكومة السورية التفاوض مع الدول والمستشفيات حول تسديد جزء من الديون المتراكمة، أو إصدار سندات طبية تضمن علاج المواطنين.
حلول
معاناة اللاجئين السوريين المرضى في الدول اللجوء مثل الأردن والعراق ومصر ودول أوروبا وغيرها تجسد مأساة إنسانية مركبة، حيث يتحول المرض إلى حكم بالإدانة المالية والمعاناة المستدامة، بينما تتحمل الدول المضيفة والمجتمع الدولي مسؤولياتهما، وهنا يرى أبو البرغل، أن المسؤولية الأساسية تبقى على عاتق الحكومة السورية التي يجب أن تتحرك بشكل عاجل لمساعدة مواطنيها، لذلك عليها القيام بإنشاء آلية طارئة لمساعدة المرضى السوريين في الخارج.
هذا إضافة إلى تخصيص نسبة من أموال إعادة الإعمار في سوريا لعلاج المرضى اللاجئين، وإنشاء لجان سورية عربية ودولية مع الدول التي تستضيف سوريين، لمعالجة قضية الديون الطبية، وأخيراً العمل على تطوير برامج صحية مشتركة تمكن المرضى من العودة الآمنة وضمان استمرار علاجهم.
وخلص أبو البرغل إلى القول: تبقى الصحة حقاً إنسانياً أساسياً، والمعاناة الإنسانية تتطلب تجاوز الخلافات السياسية. إن مساعدة المرضى السوريين اختبار حقيقي للضمير الإنساني والمسؤولية الوطنية.