الحرية – محمد زكريا:
شكّلت أمطار عام 2025 في سوريا محطة مفصلية للقطاع الزراعي، ولا سيما الزراعات البعلية التي تعتمد بشكل كامل على مياه الأمطار، بعد سنوات صعبة اتسمت بالجفاف وتراجع الإنتاج وتزايد المخاطر المناخية.
مؤشرات إيجابية
وحسب الخبيرة الزراعية الدكتورة انتصار الجباوي فإن الأمطار التي هطلت خلال الأيام القليلة الماضية لها مؤشرات إيجابية غير مسبوقة مقارنة بعدة مواسم سابقة، سواء من حيث كميات الهطل أو توزّعها الزمني، الأمر الذي انعكس مباشرة على حالة المحاصيل البعلية في مختلف المناطق الزراعية.
وأوضحت الجباوي لـ الحرية إن «الأمطار المبكرة نسبيًا تسهم في تحسين نسب الإنبات وتأمين رطوبة مناسبة للتربة خلال المراحل الأولى من النمو، وهو عامل بالغ الأهمية في الزراعات البعلية، خصوصًا للقمح والشعير والبقوليات الشتوية».
مضيفة أن توالي الهطولات خلال فصل الشتاء ساعد على تعزيز النمو الخضري. وتشجيع التفرّع الجيد للمحاصيل الحقلية، إضافة إلى رفع مستوى الرطوبة في الطبقات العميقة من التربة، مع تخفيف الإجهاد المائي الذي عانت منه المزروعات خلال المواسم السابقة، وتحسّن الغطاء النباتي والمؤشرات الإنتاجية
وأشارت الجباوي إلى أن الحالة العامة للحقول البعلية هذا الموسم تُعد جيدة إلى جيدة جدًا في العديد من المناطق، لافتةً إلى أن الأمطار لم تقتصر فوائدها على المحاصيل الحقلية فقط، بل شملت أيضًا الأشجار المثمرة البعلية، وعلى رأسها الزيتون واللوز والتين، من خلال دعم المخزون الرطوبي في التربة وتحسين الحالة الفسيولوجية للأشجار.
انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي
وبيّنت الجباوي أن الزراعة البعلية تمثل أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني، ولاسيما في ظل محدودية الموارد المائية وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، موضحةً أن أي تحسّن في الموسم المطري ينعكس مباشرة على زيادة الإنتاج، وتحسين دخل الفلاحين، وتخفيف الضغط على الزراعات المروية ومصادر المياه
وأضافت إن أمطار عام 2025 أعادت جزءًا من الثقة المفقودة لدى الفلاحين بالأرض، بعد سنوات من الخسائر وعدم اليقين، وفتحت المجال لتوقعات أكثر تفاؤلًا فيما يتعلق بالإنتاج الكلي للمحاصيل البعلية.
تفاؤل مشروط وحذر علمي
ورغم الأجواء الإيجابية، شددت الجباوي على ضرورة التعامل مع الموسم بتفاؤل حذر، مؤكدةً أن نجاحه النهائي يبقى مرتبطًا بعدة عوامل، أبرزها استمرار الاستقرار المناخي خلال فصل الربيع، وتجنب موجات الحر المبكرة أو الصقيع المتأخر، إلى جانب الإدارة الزراعية السليمة، وخاصة مكافحة الأعشاب والأمراض في الوقت المناسب.
رسالة استراتيجية للمستقبل
وختمت الجباوي بالتأكيد على أن أمطار عام 2025 توجّه رسالة واضحة لصنّاع القرار والقطاع الزراعي بضرورة دعم الزراعات البعلية بأصناف محسّنة ومتحملة للجفاف، والتوسع في تقنيات حصاد مياه الأمطار، واعتماد ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا لمواجهة تقلبات الطقس مستقبلاً.
ومنه فإن أمطار موسم 2025 لم تكن مجرد حدث مناخي عابر، بل شكلت دفعة أمل حقيقية للزراعات البعلية في سورية، ورسّخت من جديد أهمية هذا النمط الزراعي كخيار استراتيجي لا غنى عنه في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.