ما هي أوراق سوريا الرابحة لمواجهة العواصف؟

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية ـ بقلم يسرى المصري:

لم يتوقف القلب السوري ولن يتوقف مابين الانقباض والانبساط ..كل نبض هو فرصة ثمينة للسوريين وقد عرفوا أن النجاح ليس في تجنب العواصف، بل في بناء سفينة قادرة على اجتيازها. وباتت الجهود تتكئ على التحرك بمرونة والتكيف مع المتغيرات لحظة بلحظة، واستثمار كل ذرة من السيادة والانفتاح لتعزيز مناعة الداخل.
البداية والنهاية باتت تؤكد أن أقوى اقتصادات العالم ليست تلك التي لا تهتز، بل تلك التي تملك قدرة فائقة على امتصاص الصدمات وإعادة بناء نفسها من جديد. وهذا هو التحدي الحقيقي لسوريا اليوم.
قلّما يكون الموقع الجغرافي مجرد حيز مكاني في لعبة الأمم، ؛ إنه قدر ومسؤولية. وسوريا، الواقعة في صلب المنطقة الأكثر اشتعالاً، تجد نفسها مجدداً في دائرة التأثير المباشر للحرب الدائرة في الخليج. فما بين قصف يضرب مضيق هرمز، وصواريخ تعبر الأجواء، تعيش دمشق حالة من “الارتداد الاقتصادي” الموجع، الذي لا يحتاج إلى مشاركة مباشرة في النزاع ليُحدث أثراً في جسدها الاقتصادي المتعب. فكيف تتلقى سوريا صدمات هذه الحرب؟ وما استراتيجيات التعامل مع عاصفة لا يبدو أنها ستهدأ قريباً؟
الحرب التي اندلعت شرارتها في أواخر شباط الماضي، لم تكن مجرد حدث عسكري منفصل، بل زلزالاً ضرب أسواق الطاقة العالمية، وخلخل سلاسل الإمداد، وضرب في العمق توازنات اقتصادية كانت قد بدأت للتو تستعيد بعض أنفاسها بعد التحرير . بالنسبة لسوريا، التي بدأت تلمس طريقها نحو التعافي، جاءت هذه العاصفة لتعرقل خطط التعافي للهيكل الاقتصادي الوليد، وتختبر صلابة مؤسساته في وجه الرياح الخارجية .
ويمكن تشخيص التأثيرات عبر عدة مسارات متشابكة، تشكل معاً معادلة ضغط مركبة ..أولها قطاع الطاقة ..الذي ينظر له كشرايين مهددة بالانسداد ويُعد ملف الطاقة الحلقة الأكثر حساسية. فارتفاع أسعار النفط العالمية بنسبة 20% منذ بدء التصعيد، وقفزات الغاز الأوروبي التي تجاوزت 60%، تنعكس مباشرة على واقع معيشي كان قد بدأ يتحسن .
وتأتي استعادة الدولة السورية سيطرتها على آبار النفط والغاز في الحسكة والرقة ودير الزور والشمال السوري. هذه العودة، بعد غياب دام نحو 15 عاماً ، لم تكن مجرد استرداد لأصول مادية، بل هي استعادة لعصب الاقتصاد الوطني ولأداة سيادية فاعلة في مواجهة الرياح العاتية. ليكون استثمار هذه الورقة أداة لتحصين الجبهة الداخلية وتقليل الآثار السلبية للحرب الإقليمية الدائرة .
كذلك مع تراجع الإنتاج المحلي من القمح نتيجة ضعف البنية التحتية الزراعية، باتت سوريا تعتمد بشكل كبير على استيراد سلعها الأساسية. ذلك أن أي اضطراب في سلاسل التوريد، حتى لو كان عبر الطرق البرية من تركيا والعراق والأردن، قد يعني تذبذباً في أسعار الخبز والسكر والزيوت، وهي مواد لا تحتمل التأخير أو المضاربات . المخاوف تتزايد من أن تؤدي الحرب إلى إغلاق أو تعقيد المرور عبر المنافذ الحدودية، أو رفع كلف التأمين والنقل، مما يضيف أعباءً إضافية على جيوب المواطنين الذين لم يلتقطوا أنفاسهم بعد .
الشريان المهم في التعافي الاقتصادي يعتمد على الاستثمار..لذلك الانطباع السائد أن الاستثمارات في سوريا، التي بدأت تعود تدريجياً، ستكون في مرمى الخطر المباشر. المستثمر الأجنبي، الذي بدأ ينظر إلى سوريا كوجهة واعدة بعد رفع العقوبات، سيعيد حساباته إذا استمرت الاضطرابات الإقليمية . إضافة إلى ذلك، فإن تعطل حركة التجارة عبر الأردن أو العراق، أو ارتفاع كلف التأمين على الشحنات، قد يضعف القدرة التصديرية للصناعات السورية ويعيد عزلها عن أسواقها الطبيعية .
أمام هذه التحديات، لا يمكن لسوريا أن تكون متفرجة. وبناء السفينة الإستراتيجية يتطلب خطط وطنية شاملة، تنتقل بالاقتصاد من حالة “إدارة الأزمة” إلى “بناء المناعة الذاتية”. هذه الاستراتيجية تقوم على عدة محاور
أبرزها تنويع الشراكات الدولية بما يعني .. لا تضع البيض في سلة واحدة وهو أحد أهم دروس الحرب لأن خطورة الاعتماد على مصدر واحد للطاقة أو الغذاء.. يقلل الفرص المتاحة للنجاة ..وهذا التنوع تنتهجه الحكومة عبر الانفتاح السوري الأخير على محيطها العربي والدولي والذي بدأ يُترجم إلى اتفاقيات استراتيجية متنوعة. وتوقيع عقود طويلة الأجل لاستيراد القمح مع دول متعددة (روسيا، الهند، دول أوروبا الشرقية)،مما يخلق شبكة أمان تمنع الابتزاز أو الانهيار عند أول صدمة. المصرف المركزي مطالب اليوم بأكثر من أي وقت مضى بلعب دور “المطمئن”عبر تفعيل التدخل الإيجابي في سوق القطع بشكل ذكي ومستدام يمكن أن يحد من تقلبات الليرة ويحافظ على استقرار نسبي . كما أن الحكومة بحاجة إلى مراجعة سريعة للسياسات الجمركية لتخفيض أو إلغاء الرسوم على مستلزمات الإنتاج والمواد الأساسية المستوردة، ورفعها على السلع الكمالية، هو إجراء فوري يخفف من وطأة التضخم ويدعم المنتج المحلي في آن .
نقطة الضعف الأكبر تتمثل بالاعتماد على الخارج فلا يمكن تحصين الاقتصاد دون العودة إلى قاعدة إنتاجية وطنية صلبة. لذلك الاستثمار في استصلاح الأراضي الزراعية، ودعم الفلاحين بالأسمدة والمحروقات، وإعادة تأهيل الريف السوري، هي استثمارات في الأمن القومي قبل أن تكون مجرد سياسات تنموية . كذلك، فإن إعادة تأهيل مصافي النفط المحلية، ولو بشكل جزئي، واستكشاف الحقول الداخلية، يخفف من وطأة الاعتماد على الخارج.
مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاستقرار الاقتصادي يبدأ من استقرار المواطن. . يصبح تفعيل شبكات الأمان الاجتماعي ضرورة أخلاقية واستراتيجية. تبدأ من الدعم النقدي المباشر للأسر الأكثر فقراً، أو تفعيل بطاقات تموينية ذكية، أو تقديم منح استثنائية للفئات المتضررة، كلها أدوات تمنع تراجع المعيشة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية .
كذلك المال العام خلال الأزمات يصبح أكثر قدسية. وأي هدر أو فساد في ملفات استيراد القمح أو المحروقات أو توزيع الدعم، هو طعنة في ظهر الاقتصاد المنهك. وقد يكون التحول الرقمي في المؤسسات، واعتماد معايير الحوكمة والشفافية، وتعزيز الرقابة الداخلية قارب نجاة ، و أدوات بقاء . المستثمر لن يأتي إلى بلد يُصنف عالمياً ضمن الأعلى فساداً، والمواطن لن يصبر على التقشف إن لم يرَ أن الجميع يتحمل العبء بالتساوي .
النفط وحده لا يصنع المعجزات.. هذا من دروس الحرب المستفادة .. لكنه إذا أُدير بحكمة وشفافية، يمكن أن يكون قاطرة التنمية، وأداة الصمود في وجه العواصف، وسلاح السيادة في مواجهة الضغوط. سوريا اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن تحول ثروتها الباطنية إلى رافعة للنهوض، أو تبقى رهينة للعواصف .. الخيار بيدها، والطريق واضح، والإرادة وحدها هي التي تصنع المعجزات.

Leave a Comment
آخر الأخبار