إدارة العاصفة المالية المركّبة.. الاقتصادات الهشة وصدمات الطاقة والتضخم

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية _  رشا عيسى:

تكشف التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي عن مرحلة جديدة من الضغوط المالية التي تواجهها الاقتصادات الهشة، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.

ويوضح الباحث والاستشاري في إدارة التحول الدكتور ياسين العلي لـ”الحرية” أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في حجم الموارد المتاحة، بل في قدرة المؤسسات الاقتصادية على إدارة المخاطر وضبط التوازنات المالية في بيئة يزداد فيها عدم الوضوح.

التضخم المستورد

لا يقتصر تأثير التحولات على ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى ما يُعرف بالتضخم المستورد، فمع ارتفاع التكاليف العالمية تنتقل هذه الزيادات تدريجياً إلى الأسواق المحلية عبر الاستيراد.

ويشير الدكتور العلي إلى أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية يوسع دائرة التأثير لتشمل معظم السلع والخدمات المرتبطة بالطاقة والنقل والإنتاج، ما يؤدي إلى موجة تضخم مركّبة تجمع بين الضغوط الداخلية والصدمات الخارجية في آن واحد.

الاستدامة المالية

التحدي الأكبر لا يتوقف عند التضخم، بل يمتد إلى انعكاساته المباشرة على الاستدامة المالية للدولة، فارتفاع الأسعار يؤدي تلقائياً إلى زيادة تكلفة الإنفاق العام اللازم لتأمين الخدمات الأساسية والبنية التحتية والدعم الاجتماعي.

وفي المقابل تبقى الإيرادات العامة محدودة أو غير مستقرة، الأمر الذي يطرح – وفق ما يؤكده الدكتور العلي – سؤالاً مالياً محورياً: كيف يمكن إدارة الموارد العامة بطريقة تمنع تآكل القدرة المالية للدولة وتضمن استمرارها في أداء وظائفها الأساسية؟

ضغوط السيولة

يفرض التضخم المرتفع أيضاً ضغوطاً إضافية على السيولة النقدية داخل السوق. فارتفاع الأسعار يزيد الحاجة إلى النقد لتغطية تكاليف التبادل الاقتصادي، ما قد يؤدي إلى اختناقات نقدية.

ويحذر الدكتور العلي من أن غياب إدارة دقيقة للكتلة النقدية قد ينعكس في تذبذب أسعار الصرف، ما يتطلب سياسة نقدية متوازنة تراعي العلاقة الحساسة بين السيولة والتضخم والاستقرار النقدي.

الاستثمار الخارجي

البيئة الاستثمارية الإقليمية قد تتأثر بدورها بارتفاع تكاليف الصراعات والتغير في أولويات العديد من الدول التي تسعى إلى تعويض خسائرها أو تمويل التزاماتها الداخلية.

وفي مثل هذه الظروف قد تتراجع شهية الاستثمار الخارجي أو تتباطأ وتيرة المشاريع الكبرى، ما يدفع – بحسب الدكتور العلي – الاقتصادات الناشئة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الإنتاجية الداخلية.

التخطيط المالي الاستباقي

في مواجهة هذه التحديات، يبرز التخطيط المالي الاستباقي كأداة استراتيجية لا مجرد خيار إداري. فإدارة الأزمات الاقتصادية لا تقوم على ردود الفعل المتأخرة، بل على بناء سيناريوهات مالية متعددة تستشرف الضغوط المحتملة على الإيرادات العامة والإنفاق الحكومي.

ويؤكد الدكتور العلي أن تحديد أولويات واضحة لإدارة الموارد يساهم في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد.

اقتصاد منتج

تطوير العائدات العامة في مثل هذه الظروف لا ينبغي أن يُفهم على أنه توسع في أدوات الجباية أو زيادة في العبء الضريبي. بل يجب أن يكون – كما يرى العلي – عملية إعادة هيكلة لمصادر الدخل الاقتصادي للدولة.

فالعائدات المستدامة لا تنشأ من اقتصاد مثقل بالرسوم، بل من اقتصاد منتج قادر على توليد قيمة مضافة حقيقية.

 

توسيع القاعدة الإنتاجية

ويبدأ توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد عبر دعم القطاعات القادرة على تحقيق تدفقات مالية مستقرة، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات التحويلية والطاقة والخدمات اللوجستية.

ويشدد الدكتور العلي على أهمية تحسين إدارة الأصول العامة للدولة وتفعيل الشراكات الاستثمارية، بما يسمح بتحويل الموارد المعطلة إلى مصادر دخل مستدامة، إلى جانب تطوير نظم الإدارة المالية والرقابية للحد من الهدر وتعزيز كفاءة تحصيل الإيرادات.

بناء القدرة الاقتصادية

عندما تتكامل هذه المقاربة مع تخطيط مالي متوسط وطويل الأجل، تتحول المالية العامة من أداة لإدارة العجز إلى أداة لبناء القدرة الاقتصادية.

ويؤكد الدكتور العلي أن الاستدامة المالية ليست مجرد نتيجة لإجراءات محاسبية، بل انعكاس مباشر لقدرة الاقتصاد على إنتاج موارده. فكلما اتسعت قاعدة الاقتصاد المنتج، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والصدمات الخارجية دون أن تتحول المالية العامة إلى نقطة ضعف في معادلة الاستقرار الوطني.

Leave a Comment
آخر الأخبار