الحرية- رشا عيسى:
تركت الحرب في سوريا آثاراً مدمرة على الاقتصاد والبنية التحتية، ومع تزايد الحديث عن ضرورة إعادة الإعمار، تبرز الأسئلة حول التوقيت الأمثل لهذه العملية وكيفية تحقيق نتائج مستدامة لا تقتصر على الإصلاحات السريعة، وهنا يطرح الباحث الاقتصادي والاستشاري في إدارة التحول الدكتور ياسين العلي رؤية جديدة تحت عنوان “اقتصاد القدرة”، وهي مقاربة تهدف إلى بناء اقتصاد قادر على التكيف والنمو المستدام بعيداً عن العجلة والتسرع.
ويؤكد العلي لـ”الحرية” أن التوقيت ليس مجرد لحظة معينة، بل هو حالة من الجاهزية الاقتصادية والاجتماعية التي تتيح لسوريا الانطلاق نحو مرحلة الإعمار بثقة ورؤية بعيدة المدى.
جاهزية اقتصادية واجتماعية
عادة ما يُنظر إلى توقيت إعادة الإعمار على أنه مسألة ترتبط بلحظة زمنية معينة، ولكن حسب الدكتور العلي، فإن التوقيت الأمثل ليس مجرد توقيت زمني، بل هو حالة من الاستعداد والجاهزية البيئية التي تتيح الانتقال إلى مرحلة البناء المستدام، فالتسرع في البدء بالإعمار قبل توفير الشروط المؤسسية والاجتماعية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويقيد الأثر التنموي المنتظر، وعليه يرى العلي أن التوقيت يجب أن يكون نتيجة عملية مدروسة تُوازن بين تحريك عجلة الاقتصاد، وبناء الأسس المؤسسية اللازمة لاستدامته.
من “اقتصاد القيمة” إلى “اقتصاد القدرة”
يميز العلي بين نموذجين اقتصاديين في إعادة الإعمار، “اقتصاد القيمة” و”اقتصاد القدرة”.
بينما يركز الأول على الأرقام والنتائج السريعة (مثل زيادة الاستثمارات والنمو السريع)، يركز الثاني على بناء الجاهزية والقدرة المؤسسية المستدامة.
“اقتصاد القدرة” كما يراه الدكتور العلي لا ينظر فقط إلى ما يمكن إنجازه بسرعة، بل إلى ما يمكننا من الاستمرار والنمو بشكل مستدام في المستقبل، وبالنسبة لسوريا، يُعتبر هذا النموذج الأنسب، حيث يعيد ترتيب الأولويات.
متى تكون البيئة جاهزة؟
حسب منهج “اقتصاد القدرة”، يبدأ الإعمار الفعلي عندما تكون البيئة الداعمة جاهزة، وهذه البيئة تشمل وجود قوانين اقتصادية واضحة، إشارات إيجابية حول دور القطاع الخاص، وكذلك بناء الثقة مع رأس المال الاجتماعي، الذي يشمل تجاراً وصناعيين سوريين في الداخل والخارج، ولا يتطلب الأمر الكمال المؤسسي مباشرة، بل مجرد اتجاه واضح يسمح للفاعلين الاقتصاديين باتخاذ قرارات قائمة على توقعات معقولة.
أولويات القطاعات
يبين العلي أن من أبرز القطاعات التي يجب التركيز عليها في بداية مرحلة الإعمار هي: الزراعة والصناعات الغذائية لما لها من تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي وخلق فرص العمل، والصناعات التحويلية الخفيفة والمتوسطة، حيث تمتلك سوريا خبرات كبيرة في هذه المجالات، والخدمات المساندة مثل اللوجستيات والطاقة التي تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، كما يرى العلي أن إعادة تأهيل البنى الصناعية القائمة هو خطوة تمكينية لبناء الاقتصاد على أسس قوية.
فرصة لإعادة الاعتبار
لا تتعلق إعادة إعمار سوريا فقط بإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، بل هي فرصة لإعادة الاعتبار الاقتصادي للبلاد، وفقاً للدكتور العلي، فإن التوقيت المناسب للإعمار يجب أن يكون مبنياً على أسس من القدرة والثقة، وليس فقط على توفر التمويل، كما يشدد على دور الدبلوماسية الاقتصادية، وخاصة في ملف الشتات السوري، الذي يمكنه تقديم رأس المال الاجتماعي المغترب بما يتضمنه من خبرات وتقنيات حديثة تساهم في إعادة بناء سوريا.
التدرج والشراكة
إعادة الإعمار مسألة اختيار منهجية تقوم على التدرج والشراكة، من خلال إدارة المسار الاقتصادي بروح إيجابية، ويمكن تحقيق تعافٍ اقتصادي واجتماعي مستدام يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من النمو المتوازن، وتبقى إعادة بناء الثقة مع المجتمع السوري، سواء في الداخل أو الشتات، هي العنصر الأهم لتحقيق اقتصاد قادر على التكيف والنمو في المستقبل، بغض النظر عن حجم التمويل المتاح.