الحرية– نهلة أبوتك:
في لحظة مفصلية من مسار التعافي الاقتصادي، حملت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين رسائل تتجاوز الإطار البروتوكولي، لتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية مع ألمانيا، عنوانها الأبرز: لا نريد أن نبدأ من الصفر.
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد زريق فرحات أن هذه الزيارة تمثل نقطة تحول حقيقية في طريقة تقديم سوريا لنفسها اقتصادياً، حيث لم يعد الخطاب يركز على إعادة الإعمار كحالة طارئة، بل على الاستثمار كشراكة طويلة الأمد.
ويشير إلى أن الانتقال من خطاب سياسي تقليدي إلى طرح استثماري مباشر يعكس نضجاً في المقاربة الاقتصادية، خاصة مع توجيه رسائل واضحة للمستثمرين بأن هناك توجهاً للبناء على ما هو قائم، وليس البدء من الصفر، وهو ما يقلل من المخاطر ويعزز جدوى الدخول إلى السوق السورية.
ويؤكد فرحات أن اللقاءات التي جرت في برلين مع شركات ألمانية كبرى لا يمكن قراءتها كمجرد اجتماعات بروتوكولية، بل هي بداية لمسار عملي، خصوصاً مع التركيز على قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، النقل، التحول الرقمي، والخدمات الصحية، وهي قطاعات تشكل القاعدة الأساسية لأي اقتصاد حديث.
ويضيف: إن أهمية ألمانيا بالنسبة لسوريا لا تقتصر على كونها قوة اقتصادية كبرى، بل تتجاوز ذلك إلى كونها شريكاً تقنياً يمتلك خبرة عميقة في مجالات الصناعة المتقدمة والإدارة الحديثة، وهو ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة لإعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية على أسس أكثر كفاءة واستدامة.
وحسب فرحات، فإن التحول في الطرح السوري يعكس فهماً متقدماً لمفهوم إعادة الإعمار، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على إعادة بناء البنية التحتية، بل أصبح يشمل إعادة بناء المنظومة الإدارية والاقتصادية، من خلال إدخال أدوات حديثة مثل التحول الرقمي، وأنظمة التخطيط المتكاملة، وتعزيز الشفافية وإدارة المخاطر.
ويتابع أن هذا التوجه من شأنه أن يرفع من مستوى ثقة المستثمرين، لأن بيئة الأعمال لم تعد تقاس فقط بحجم الفرص، بل بقدرة المؤسسات على إدارة هذه الفرص بكفاءة ووضوح.
وفي ما يتعلق بطرح سوريا كموقع محتمل لسلاسل التوريد، يرى فرحات أن هذا الطرح يحمل بعداً استراتيجياً مهماً، إذ إن التحولات العالمية في سلاسل الإنتاج تفتح المجال أمام دول تمتلك موقعاً جغرافياً مميزاً لتلعب دوراً أكبر في الربط بين الأسواق، وسوريا تمتلك مقومات تؤهلها لذلك إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح.
ويضيف: إن الشركات الأوروبية، بما فيها الألمانية، تبحث اليوم عن بيئات أكثر مرونة واستقراراً لسلاسل الإمداد، وهو ما يمنح سوريا فرصة حقيقية للدخول في هذه المنظومة، خاصة إذا ترافق ذلك مع تطوير البنية اللوجستية والتشريعية.
وفي سياق متصل، يشدد فرحات على أهمية الجالية السورية في ألمانيا، معتبراً أنها تمثل أحد أهم عناصر القوة غير المباشرة في هذا التقارب، نظراً لما تمتلكه من خبرات وكفاءات يمكن أن تلعب دور الوسيط بين السوق السورية والمستثمر الأوروبي.
ويؤكد أن هذه الجالية قادرة على تسهيل نقل المعرفة، وتعزيز الثقة، وتقليل الفجوة بين بيئتين اقتصاديتين مختلفتين، وهو ما يشكل عاملاً مساعداً في تسريع إطلاق المشاريع الاستثمارية.
وحول اللقاءات مع المسؤولين الألمان، وعلى رأسهم المستشار فريدريش ميرتس، يرى فرحات أن أهمية هذه اللقاءات تكمن في ربط المسار الاقتصادي بالإطار السياسي، حيث لا يمكن لأي شراكة اقتصادية أن تنجح دون وجود أرضية سياسية مستقرة تدعمها.
ويضيف: إن الاتفاق على تشكيل لجان عمل مشتركة، والتحضير لزيارات متبادلة، يشير إلى أن العلاقة بدأت تأخذ طابعاً مؤسسياً، وهو أمر ضروري لضمان استمرارية التعاون وتحويله إلى نتائج ملموسة.
ويختم فرحات بالقول: ما حدث في برلين لا يمكن اعتباره محطة عابرة، بل هو بداية مسار يمكن أن يتطور تدريجياً إلى شراكات اقتصادية حقيقية، خاصة في ظل وجود اهتمام أوروبي واضح ورغبة سورية في تسريع التعافي.
ويتابع إذا ما تم البناء على هذا الزخم من خلال خطوات تنظيمية واضحة وتحسين بيئة الأعمال، فإن سوريا تمتلك فرصة واقعية للانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد وتعزيز موقعه في المنطقة.