الحرية- علام العبد:
دفع القطاع الزراعي في سوريا ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب التي أشعلها النظامُ البائد على مدى الـ ١٤ سنة الماضية، وقد جاءت بنتائج كارثية على كافة القطاعات الحيوية والإنتاجية وأدت إلى تدمير شامل للبنية التحتية والمؤسسات الحكومية.
وكغيره من القطاعات الاقتصادية، تأثر القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والذي كان يعاني أٰساساً من الفساد والإهمال والتدمير الممنهج، وما تعرضت له الزراعة بكل أنواعها والثروة الحيوانية من تراجع وانتعاش عمليات تهريبها خارج البلاد خير دليل.
سيشهد التاريخ يوماً أن النـظام البائد قاد أقذر حرب في العصر الحديث، وكان المواطن السوري هو الخاسر الوحيد، حيث لجأ النظام البائد إلى تجريف الأراضي الزراعية متسبباً في تدمير مساحات زراعية كبيرة هامة، فالحرب التي أدار رحاها حرمت السكان على امتداد الخارطة السورية من تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية بسبب تضرر قطاع الزراعة، ناهيك بقتل عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء، انتهكت أراضيهم ومنازلهم، سرقت ممتلكاتهم، خسروا جميع مدخراتهم وأعمالهم التي عملوا من أجلها عشرات السنين، في لمحة بصر دمرها نظام بائد لا يأبه بالمواطن، كان لا يتقن إلا فن الكذب والنفاق والمراوغة.
الدمار الذي خلفته حرب النظام البائد في مدن تعد زراعية في المقام الأول، مثل الحسكة والرقة وحلب وإدلب شرقا وغرباً وشمالاً، رسم جغرافيا جديدة لتلك المدن والمناطق الزراعية، التي كانت عامرة بالحياة، فقد خسرت تلك المناطق الكثير بسبب خروج ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية عن الإنتاج، ودخول آلاف المزارع في دائرة العوز، ولا سيما بعدما وصلت الحرب إلى الكثير من المناطق التي تحتضن عشرات المشاريع الزراعية و(إيكاردا) مثال، حيث يعد المركز الدولي للبحوث الزراعيّة في المناطق الجافة، الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني وأمنه الغذائي، ويشكل مصدراً لإنتاج الجينات الزراعية، ونتيجة القتال والانفلات الأمني في جنوب حلب، حيث كان يتوضع مركز إيكاردا الذي دمرت بنيته التحتية بصورة شبه كاملة وإتلاف قنوات الري ونهب مدخلات الإنتاج من أسمدة ومبيدات وآليات وحاصدات ونزوح أغلب الموظفين والعمال والمزارعين.
باختصار، ولطالما كانت الزراعة التي يقول عنها آباؤنا وأجدادنا أنها عمل مبارك تخرج الأرض به خيراتها، وهي مصدر رزق وحياة، تشبع الجائع وتسد حاجة المحتاج، بركتها تظهر في إطعام الفقراء وتحقيق التكافل الاجتماعي. وحتى لا نذهب بعيداً لنضمد جراح الأغصان المكسورة ونعيد غرس الأشجار المقلوعة، فمستقبل سوريا بعد الحرب في الزراعة، إذا توفرت الإرادة المؤهلة والمخلصة والناجحة ومعاملة الزراعة كصناعة، ورغم كل ما حدث ويحدث كلنا ثقة وتفاؤل وأمل بإدارة سوريا الجديدة بأن البلاد موعودة بمستقبل مشرق تقوده الزراعة كصناعة، ولا سيما أن سوريا لديها كل ما تحتاجه من العناصر الرئيسية لإنتاج الغذاء، مياه ري وأمطار وأراضٍ شاسعة صالحة للزراعة وبيئات مناخية متنوعة وثروة حيوانية وموارد بشرية جبارة.