الحرية-آلاء هشام عقدة:
يشكل المرسوم الرئاسي القاضي بتحويل قطاع الكهرباء في سوريا إلى نموذج “الشركة القابضة” أحد أهم الخطوات لتعافي وإعادة بناء شريان الاقتصاد السوري.
الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال بينّ لـ “الحرية” أن الإصلاح يبدأ من الحوكمة، لا من محطات الطاقة لأن أي مستثمر سواء كان إقليمياً أو دولياً لا ينظر أولاً إلى عدد المحطات بل إلى كيف تدار؟ من يقرر؟ وما مدى الاستقرار؟ فالشركات الكبرى مثل Siemens أو ACWA Power لا تدخل أسواقاً غير واضحة حتى لو كانت الفرص مغرية.
ماذا تعني “شركة قابضة” فعلياً؟
إذا أرفق القرار بخطوات جادة فنحن أمام تغيير مهم، فصل التوليد عن النقل عن التوزيع، كل شركة تُحاسب لوحدها ولا مجال لإخفاء الفشل داخل “مؤسسة واحدة”. هذا بحد ذاته خطوة جريئة لكن ليست كافية والاختبار الحقيقي هو “المستثمر”.
وأضاف رحال أن إدخال قطاع التعدين في نفس مسار الإصلاح ليس صدفة. سوريا تملك ثروة فوسفات تُقدّر بأكثر من 1.8 مليار طن، لكننا لسنوات كنا نبيعها كمواد خام بعائد محدود و اليوم الفكرة مختلفة، “استخرج… صَنّع… وصدّر بقيمة أعلى”، لكن هنا المفارقة: “لا تعدين بلا كهرباء ولا كهرباء بلا استثمار ولا استثمار بلا ثقة”، فكل شيء مرتبط ببعضه وإذا سقط جزء يسقط الباقي، وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى مجموعة من التسهيلات التي تشكل العمود الفقري لأي حوكمة ناجحة.
التسهيلات التي تحتاجها الحوكمة
أولاً: استقلالية القرار كشرط أساسي حيث لا يمكن الحديث عن شركات قابضة بينما القرار الفعلي لا يزال مركزياً، ويضيف رحال أن نجاح التجربة تتطلب مجالس إدارة مستقلة فعلياً وقرارات تشغيلية بعيدة عن التدخلات اليومية، تعيين إدارات على أساس الكفاءة لأن المستثمر ببساطة لن يغامر في بيئة يمكن أن تتغير فيها القرارات بين ليلة وضحاها.
ثانياً: قانون واضح لا يتبدل فالاستثمار في قطاع الطاقة ليس قصير الأجل، ونحن نتحدث عن مشاريع تمتد لـ 20 أو حتى 30 عاماً، لذلك لا بد من قوانين مستقرة، وآليات تحكيم دولية، حماية واضحة للأصول والاستثمارات، وهنا يصبح الاقتراب من معايير مؤسسات مثل البنك الدولي خطوة ضرورية لا تجميلية.
ثالثاً: التعرفة ..وينوه رحال بأن التعرفة هي العقدة التي لا مفر منها، وقد تكون هذه النقطة الأكثر حساسية، لكنها أيضا الأكثر واقعية، فلا يمكن لقطاع الكهرباء أن يستمر إذا كانت تكلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع، وكانت الدولة تغطي الفارق إلى ما لا نهاية.
ويقترح الدكتور رحال عدة حلول منها عدم اللجوء إلى أسلوب الصدمة، بل التدرج عن طريق رفع مدروس للتعرفة، ودعم مباشر للفئات الأكثر حاجة، و تحرير جزئي للقطاع الصناعي وبدون ذلك، سيبقى القطاع غارقاً في الخسائر مهما تغيرت هيكليته.
رابعاً: ضمانات الدفع فهي لغة المستثمر الوحيدة، وفي عالم الطاقة لا شيء أهم من وضوح “من سيدفع ومتى” ، أي شركة، سواء كانت ACWA Power أو غيرها، تحتاج الى عقود شراء طاقة واضحة (PPA) و ضمانات حكومية أو دولية ، وإمكانية تحويل الأرباح بالعملة الصعبة وبدون هذه الضمانات، تبقى المشاريع حبراً على ورق.
خامساً: الشفافية وكسر الغموض المزمن، حيث يشير رحال إلى أن قطاع الطاقة الكهربائية في سوريا بقي لسنوات أشبه بـ “صندوق أسود”: أرقام غير دقيقة، فاقد غير واضح، بيانات محدودة, وأي إصلاح حقيقي يتطلب: نشر دوري للبيانات، تقارير مالية واضحة، كشف حقيقي لحجم الهدر، وبالتالي الشفافية هنا ليست رفاهية… بل شرط لبناء الثقة.
سادساً: فصل الحكم عن التنفيذ، فلا يمكن للدولة أن تكون لاعباً في السوق وحكماً في الوقت نفسه, والحل يكمن في إنشاء هيئة تنظيم مستقلة، مراقبة الأداء وتحديد التعرفة، وهذا النموذج مطبق في دول عديدة مثل ألمانيا، حيث تلعب الدولة دور المنظم لا المشغل.
سابعاً: فتح الباب للطاقة المتجددة، في ظل أزمة الوقود لا يمكن تجاهل الطاقة البديلة، فسوريا تملك إمكانيات كبيرة في: الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، لكن الاستفادة منها تتطلب تسهيلات قانونية للربط بالشبكة وإعفاءات لمعدات الطاقة، بالإضافة لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهنا يمكن أن تلعب شركات مثل Siemens Energy دوراً محورياً.
ثامناً: ضبط الفاقد (المعركة الصامتة) إذ إنه لا معنى لزيادة الإنتاج إذا كان جزء كبير منه يضيع, ومعالجة الفاقد تتطلب:عدادات ذكية ورقابة رقمية، تشديد في التحصيل ، لأن الهدر اليوم ليس تقنياً فقط… بل مالي أيضاً.
نجاح الحوكمة
إن نجاح الحوكمة وفق الدكتور رحال يعني توجيه الطاقة للقطاع الصناعي، دعم مشاريع التعدين وإنشاء مناطق إنتاج مرتبطة بطاقة مستقرة، وهنا يظهر التكامل مع قطاع الموارد الطبيعية، بدل أن يبقى كل قطاع يعمل بمعزل عن الآخر.
النجاح والتقدم الحقيقي في قطاع الطاقه يبدأ عندما تتحول هذه التشريعات والتسهيلات إلى واقع وقرارات مستقلة، قوانين مستقرة، شفافية حقيقية، وثقة قابلة للبناء، عندها فقط يمكن القول إن سوريا لا تعيد تنظيم قطاع الكهرباء بل تعيد تشغيل اقتصادها من جديد.