اتفاقية إنشاء حوض السفن تعزيز للأمن الاقتصادي والسيادي للدولة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحريةـ آلاء هشام عقدة :

تُعد صناعة السفن قطاعاً استراتيجياً يدعم استمرارية الاقتصادات ويعزز من قدرتها على النمو والازدهار في عالم مترابط ويتزايد فيه الاعتماد المتبادل تجارياً واقتصادياً و عضوياً.

وفي هذا السياق بينّ الدكتور ذو الفقار عبود أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية لـ”الحرية”، أن صناعة السفن مسألة حيوية للاقتصاد الوطني، لأن أكثر من 80% من التجارة العالمية للسلع تتم عبر النقل البحري، وهذه الصناعة توفّر فرص عمل متعددة ومختلفة المستويات والقطاعات، فضلاً عن أنها تعزّز الأمن الاقتصادي والسيادي للدولة عبر الاستقلال اللوجستي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتُمكن من تطوير البنية التحتية البحرية وتحفز قطاعات أخرى مثل الطاقة والمواد الخام، ما يجعلها عصبًا أساسيًا لنمو الاقتصادات الوطنية والعالمية.

نقلة نوعية في البنية الاقتصادية

ويضيف الدكتور عبود: من هنا يأتي توقيع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، اتفاقية الاستثمار الاستراتيجية مع شركة كوزي ستار شيبيارد التركية، لإدخال صناعة السفن بكافة أحجامها وأشكالها وفق المعايير الدولية إلى الجمهورية العربية السورية خطوة عملاقة على طريق تطوير الصناعة الاستراتيجية السورية، حيث تتضمن الاتفاقية إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، لتشكل نقلة نوعية في البنية الصناعية والاقتصادية الوطنية.

وفق أحدث المعايير

وأشار ذو الفقار إلى أن هذه الاتفاقية، تأتي وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وتنص على منح الشركة المستثمرة حق بناء وتجهيز وتشغيل وإدارة حوض سفن متكامل، يشمل مختلف أعمال صناعة وبناء وإصلاح وصيانة السفن، بما يواكب أحدث المعايير الفنية والهندسية المعتمدة عالميًا، ويسهم في توطين صناعة بحرية متقدمة داخل سوريا.

وتمتد مدة الاستثمار 30 سنة ميلادية، تبدأ من تاريخ التوقيع، تلتزم فيها الشركة التركية، باستثمار مبلغ لا يقل عن 190 مليون دولار أمريكي خلال مدة أقصاها خمس سنوات، لتغطية كامل أعمال البناء والتجهيز، بما فيها الأرصفة، والمعدات، والمستودعات، والمنشآت التشغيلية، دون أي التزام مالي على عاتق الطرف السوري المتمثل بالهيئة العامة للمنافذ والجمارك.

 فرص عمل مباشرة وغير مباشرة

كما نصت الاتفاقية، على منح حسم خاص بنسبة 20% من إجمالي قيمة الفاتورة قبل الضرائب لأعمال بناء أو إصلاح أو صيانة السفن التابعة للحكومة السورية، بما يعزز كفاءة التشغيل ويخفف الأعباء المالية.

كما تلتزم الشركة التركية المستثمرة، بتأمين 1700 فرصة عمل مباشرة و3500 فرصة عمل غير مباشرة، على ألّا تقل نسبة العمالة السورية عن 95% من إجمالي القوى العاملة، إلى جانب تدريب وتأهيل الكوادر السورية ونقل الخبرات الفنية والتقنية في مختلف مراحل الصناعة البحرية، لتولي بذلك اهتمامًا كبيرًا بالجانب الاجتماعي ونقل المعرفة.

فتح آفاق للاستثمار

هذا المشروع، وفق عبود، سيشكل ركيزة أساسية في مسار تطوير المرافئ السورية، وتعزيز موقع سوريا على خارطة الصناعات البحرية الإقليمية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحويل مرفأ طرطوس إلى مركز صناعي بحري متكامل يخدم السوق المحلية والأسواق المجاورة، حيث إن صناعة السفن ذات أهمية حاسمة للاقتصاد الوطني من خلال دعم التجارة العالمية، فالسفن التجارية تنقل الغالبية العظمى من التجارة الدولية، وصناعة بناء السفن تضمن توفر هذه الوسيلة الأساسية لنقل البضائع والمواد الخام. كما أن توفير فرص العمل هو أثر مباشر لهذه الصناعة كون صناعة بناء وإصلاح السفن تؤمّن وظائف مباشرة وغير مباشرة في مجالات الهندسة والتصنيع والخدمات، بالإضافة إلى قطاعات مرتبطة بها، من أهمها قطاع الخدمات ولاسيما التأمين والاتصالات والخدمات اللوجستية، كما تعزّز الأمن الاقتصادي والسيادي، فتوطين هذه الصناعة يمنح الدول استقلالًا لوجستيًا ويقلل من ضعفها خلال الأزمات العالمية (مثل اضطرابات سلاسل الإمداد)، كما حدث عند تعطل سفينة الشحن الضخمة إيفر غرين في مجرى قناة السويس وتعطّلت الملاحة فيه.

 تحفز الصناعات الأخرى

ونوه عبود بأن صناعة السفن تؤدي لتحفيز الصناعات الأخرى المرتبطة عضوياً، حيث تتطلب صناعة السفن مدخلات من العديد من القطاعات (الحديد، الألومنيوم، الإلكترونيات، الأخشاب، الفيبر، البلاستيك، أشباه الموصلات ، الزجاج، المحركات، الروافع الهيدروليكية ، قوارب الصيد والإنقاذ) ما يدفع نموها ويُحفز الابتكار التكنولوجي.

أما تطوير البنية التحتية فيرتبط ببناء السفن ارتباطاً وثيقًا من خلال تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية البحرية، ما يعزز النمو الاقتصادي العام للدولة ويقود نحو زيادة الإيرادات حيث تسهم الموانئ وأنشطة الشحن في زيادة إيرادات الدولة عبر الرسوم والضرائب، وتطوير صناعة محلية قوية يزيد من القدرة التنافسية في السوق العالمية وتلبية احتياجات متنوعة لتخدم أغراضاً متعددة (تجارية، عسكرية، ترفيهية، صيد)، ما يوسع نطاق الاستفادة الاقتصادية منها.

والشركة التركية تعمل في قطاع صناعة وبناء وصيانة السفن، وتحظى بوجود قوي في إسطنبول في مجالات بناء السفن، الإصلاح والصيانة، التحويل والتحديث، وكذلك الخدمات الهندسية الميكانيكية والكهربائية المتعلقة بالمنشآت البحرية.

وتضم منشآتها حوضاً بحرياً واسعاً ومرافق متقدمة لصيانة السفن، بما في ذلك أحواض عائمة يمكنها التعامل مع سفن بحمولة حتى حجم “باناماكس”، إضافة إلى أحدث المعدات الفنية لمشاريع تحويل السفن وإعادة تجديدها.

وتتوسع أعمالها تدريجيًا لتشمل مشاريع إنشاء سفن جديدة إلى جانب الخدمات التقليدية، وتقدم خدماتها لسفن محلية ودولية عبر شبكة واسعة من العلاقات التجارية في أوروبا والشرق الأوسط.

والشركة حاصلة على شهادة ISO 50001:2018، ما يؤكد التزامها بمعايير إدارة الطاقة والعمليات التشغيلية في أعمال الصيانة والبناء البحري، ويعزز ثقة العملاء وشركاء العمل في قدراتها الفنية والإدارية.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار